إذا فسد الإنسان فسد العمران: من غزة إلى إبستين
ابن خلدون يلخص القضية في عبارته الشهيرة: "الظلم مؤذن بخراب العمران" وليس المقصود ظلماً عابراً، بل بنية كاملة من انتهاك الحقوق والاستباحة وتحويل الناس إلى أدوات أو أرقام. في كتابه المقدمة يربط ابن خلدون بين الاعتداء على الملكيات والحقوق وانهيار الحافز على العمل والإنتاج، ومن ثم انهيار الحضارة ذاتها؛ لأن الناس، حين يفقدون الشعور بالعدالة، يكفّون عن البناء، ويبدأ التفكك من الداخل. هذا التحليل الخلدوني لا يقتصر على الاقتصاد أو السياسة؛ فهو في جوهره تشخيص لانهيار البنية الأخلاقية التي يقوم عليها العمران: احترام الحق، وحرمة الإنسان، والمعنى المشترك للعدالة. حين تختل هذه الركائز، لا يبقى أمام الدولة أو الأمة إلا زمن قصير من "حياة اصطناعية" قبل السقوط.
طه عبد الرحمن يذهب أبعد من ذلك؛ إذ يرى أن الأخلاق ليست زينة للحياة الإنسانية، بل هي تعريف الإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس حيواناً ناطقاً ولا كائناً اجتماعياً فحسب، بل كائن مؤتمن؛ جوهره الأمانة والمسؤولية. وفي نقده للحداثة وما بعدها، يصف عالماً تحكمه ثقافة لاأخلاقية تُحوِّل كل شيء إلى سلعة: الجسد، الفكرة، وحتى المعاناة. ويقول إن الإنسان الأخلاقي في العالم العربي والإسلامي اليوم تائه بين استبداد الماضي وتقليد الحاضر، لا يجد فضاءً حقيقياً يمارس فيه أمانته الأخلاقية؛ فالسياسة انفصلت عن القيم، والدين حُوصر في الطقوس، والفلسفة انسحبت من المجال العملي.
من هنا يفهم طه أن الانهيار الأخلاقي ليس سقوطاً في فجور فردي فحسب، بل هو مشروع تاريخي: حين تتحول القوة إلى معيار الحقيقة، وتصبح المصلحة المادية وحدها مقياساً لكل شيء، يدخل العالم في حالة توحّش جديد، مهما ارتدى من أقنعة قانونية وحقوقية.
ما يجري في قطاع غزة منذ عام 2023 نموذج حيّ لعاقبة الانهيار الأخلاقي العالمي. تقارير أممية وخبراء مستقلون تحدّثوا صراحة عن إبادة جماعية، وعن تعمّد تدمير مقومات الحياة الأساسية: الماء، الغذاء، الدواء، البنية الصحية، والتعليم. تقارير أخرى توثّق تدميراً اقتصادياً شبه كامل، وانهياراً في مستوى المعيشة إلى حدّ وصفه أحد تقارير الأمم المتحدة بأنه "هاوية صنعها البشر"، مع تقديرات لإعادة إعمار غزة بتكاليف هائلة وزمن يمتد لعقود.
من جهة، تتحوّل حياة الغزيين، أطفالاً ونساءً ورجالاً، إلى ملف أرقام: كم قُتل اليوم؟ كم جريحاً؟ كم نازحاً؟ ومن جهة أخرى، يُختبَر ضمير العالم: هل ستبقى مبادئ حقوق الإنسان مجرد خطاب جميل يُعلَّق على جدران الأمم المتحدة بينما تُسحق مدينة كاملة أمام الكاميرات؟
أحد تقارير الأمم المتحدة وصف الوضع في غزة بأنه "هاوية صنعها البشر"، مع تقديرات لإعادة إعمار غزة بتكاليف هائلة وزمن يمتد لعقود
في منطق ابن خلدون، هذا مستوى من الظلم لا يُخرّب عمران غزة وحدها، بل ينذر بخراب عمران النظام الدولي نفسه؛ لأن المنظومة التي تفقد القدرة على حماية المظلومين في أكثر لحظات هشاشتهم هي منظومة بدأت فعلًا مسار التآكل الداخلي.
في السودان، منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، توثّق تقارير أممية ومنظمات حقوقية آلاف القتلى وملايين النازحين، وجرائم قتل واغتصاب ونهب وتجويع منظّم، مع هجمات ممنهجة على المستشفيات والبنية الصحية، خصوصاً في دارفور والفاشر. حين يُقتحم مستشفى ويُقتل المرضى والأطباء، لا نكون أمام انهيار عسكري فحسب، بل أمام انهيار أخلاقي كامل: فقدان أي معنى للحرمة، وتحول الإنسان إلى عبء يجب التخلّص منه. هذا الانهيار لا يطاول الفاعلين فقط، بل يصيب المجتمع برمّته؛ تتآكل الثقة، يتيتّم الأطفال، تتطبّع النفوس مع مشاهد الدم، ويُعاد إنتاج العنف في أجيال جديدة.
الملف الذي أُعيد فتحه أخيراً في إيطاليا عن "سياحة القنص" خلال حصار سراييفو يمثّل واحدة من أكثر صور الانحطاط الأخلاقي فظاعة. التحقيقات تتحدث عن مجموعات كانت تُنقَل من دول أوروبية إلى البوسنة خلال الحرب في التسعينيات، ليدفع بعضهم مبالغ مالية مقابل فرصة إطلاق النار على مدنيين من نقاط قنص، كما لو أنها لعبة أو تجربة تطرف. في هذه اللحظة، لا يعود القنّاص قاتلاً فقط، بل يصبح الإنسان الآخر هدفاً ترفيهياً. هذا هو القاع الأخلاقي الذي تحدّث عنه كثير من المفكرين حين قالوا، بعبارات مختلفة، إن الحضارة تموت حين يتحول الألم الإنساني إلى مشهد استهلاكي.
ما يربط غزة والسودان والبوسنة ليس الجغرافيا ولا الدين، بل درجة الاستهانة بالإنسان: جسد الفلسطيني يُقصف بلا ثمن، وجسد السوداني يُسحَق في المستشفى أو في معسكر النزوح، وجسد البوسني استُخدم هدفاً في "سفاري" بشرية. هذه ليست أحداثاً متفرّقة، بل حلقات في سلسلة طويلة من الانحلال الأخلاقي العالمي.
لو جمعنا ابن خلدون وطه عبد الرحمن إلى طاولة واحدة، لربما اتفقا على نقاط مركزية: أن الظلم المنظّم يخرّب العمران، لا لأنه يدمّر الاقتصاد أو الدولة فحسب، بل لأنه يحطم المعنى الذي تعيش به الجماعة، ويحوّل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الدول والشعوب، إلى علاقة غلبة صِرف. وأن فصل السياسة عن الأخلاق هو أصل الداء؛ فطه يرى أن الأخلاق ليست تكميلاً للسياسة، بل شرط إمكانها. فإذا تحولت السياسة إلى إدارة مصالح بلا أمانة، أصبح العالم مهيّأً لكل أشكال العنف المقنّن، من الحصار الاقتصادي إلى الإبادة الجماعية.
استمرار هذا الانهيار يهدد وجود الأمم ذاتها؛ ليس فقط الأمم المستضعفة التي تُباد وتُهجَّر، بل أيضاً الأمم القوية التي تتواطأ أو تصمت
واستمرار هذا الانهيار يهدد وجود الأمم ذاتها؛ ليس فقط الأمم المستضعفة التي تُباد وتُهجَّر، بل أيضاً الأمم القوية التي تتواطأ أو تصمت. فهذه الأخيرة تُراكم تناقضاً قاتلاً بين خطابها عن الديمقراطية والحرية، وممارساتها في دعم أنظمة قمعية أو تغطية جرائم واضحة.
الانحدار الأخلاقي لا يؤدي إلى انهيار الأمم فحسب، بل إلى انهيار إنسانيتنا المشتركة. وإذا كانت الحروب في غزة والسودان والبوسنة قد كشفت وجهاً مظلماً للبشر، فإن ردّة الفعل عليها في ضمير الأحرار وحركات التضامن والمقاومة هو الفرصة الأخيرة لكتابة فصل مختلف من تاريخ هذه المنطقة والعالم.
هنا تصبح استعادة الأخلاق، كما يتخيّلها طه عبد الرحمن، ليست مشروعاً فلسفياً نخبوياً، بل ضرورة وجودية. ويصبح تحذير ابن خلدون من الظلم ليس جملة في كتاب قديم، بل مرآة صادقة لما نعيشه اليوم في العالم العربي والإسلامي، ولما قد يعيشه العالم كله إذا استمر في هندسة السياسة والاقتصاد وترك الأخلاق خارج المعادلة.
تكشف التسريبات الجديدة لملفات جيفري إبستين وإيميلاته، وما أُعيد فتحه من تفاصيل حول جزيرته وشبكات الاستغلال التي أدارها تحت مظلة النفوذ والحصانة، أن الانهيار الأخلاقي الذي نرصده في ساحات الحرب ليس منفصلاً عمّا يجري في قلب ما يُسمّى بالعالم المتحضّر. فحين يتحول الجسد الإنساني إلى سلعة، والطفل إلى موضوع استهلاك، والعدالة إلى إجراء انتقائي، نكون أمام المنطق نفسه الذي يسمح بقصف غزة بلا مساءلة، وبقتل المدنيين في مستشفيات السودان، وبـ"سفاري" القنص في سراييفو.
في جميع هذه الحالات، لا تختلف الآلية الأخلاقية: إنسان منزوع القيمة، وسلطة محصّنة، ونظام قانوني يتواطأ بالصمت أو الانتقاء. هذا ما قصده طه عبد الرحمن حين حذّر من حضارة تفصل الأخلاق عن الفعل السياسي، وتحيل القيم إلى خطاب تجميلي، بينما تُدار القوة بلا أمانة. فالغزي يُختزل إلى "هدف عسكري"، والسوداني إلى "خسائر جانبية"، والبوسني إلى "فرصة تجربة"، وضحايا إبستين إلى "فضيحة عابرة تُدار إعلامياً بدل أن تُواجَه أخلاقياً.
في منطق ابن خلدون، هذا المستوى من الظلم ليس حدثاً عارضاً، بل علامة على فساد العمران ذاته؛ لأن العمران لا ينهار فقط حين تُدمَّر المدن، بل حين تُدمَّر المعاني التي تجعل الإنسان إنساناً. وحين تصبح ردّة الفعل الغربي على قضية إبستين مترددة وانتقائية ومهووسة بحماية النخب أكثر من إنصاف الضحايا، فإننا أمام الصورة نفسها التي تحكم الموقف من غزة والسودان: خطاب حقوقي مرتفع، وممارسة سياسية خاوية من الأخلاق.
هنا يتكامل مشهد الانحلال العالمي: من جزيرة معزولة ظاهرياً، إلى مدينة محاصَرة، إلى مستشفى مُقتحَم، إلى شارع تحت القنص؛ سلسلة واحدة من التوحّش المقنّن تؤكد أن الأزمة ليست في أماكن الألم، بل في منظومة القيم التي سمحت بتحويل الألم الإنساني إلى تفصيل يمكن التعايش معه.