الاستعمار في ثوب الاستقرار: قراءة في قرارات الكابنيت
تأتي قرارات الكابنيت الإسرائيلي الأخيرة في الضفة الغربية ضمن سياق يتجاوز منطق التصعيد الأمني الظرفي، لتعكس تحوّلاً أعمق في طريقة إدارة الصراع. فهذه القرارات لا يمكن قراءتها باعتبارها استجابة أمنية عابرة، بل بوصفها تعبيراً عن نمط حكم يسعى إلى تثبيت واقع طويل الأمد يُعاد فيه تعريف الفلسطيني من فاعل سياسي يطالب بالحقوق إلى مسألة استقرار يجب ضبطها. بهذا المعنى، نحن أمام انتقال من سياسة تتحدث، ولو شكلياً، عن أفق سياسي، إلى إدارة تُحسن تنظيم السيطرة وتقلّص كلفتها.
تساعدنا مقاربة دراسات الاستعمار الاستيطاني على فهم هذا التحول بوصفه جزءاً من بنية مستمرة لا من سلسلة إجراءات منفصلة. فالاستيطان ليس سياسة قطاعية، بل منطق إعادة تشكيل للمجال يقوم على تفتيت الأرض وإعادة توزيع القوة بما يمنع تشكّل سيادة فلسطينية قابلة للحياة. التوسع في المستوطنات، وشرعنة البؤر، وتعميق التداخل بين الجيش والمستوطنين، وإعادة هندسة الفضاء القانوني في الضفة، أدوات تعمل باتجاه واحد: إنتاج واقع جغرافي وسياسي يجعل الحديث عن دولة فلسطينية متصلة أقرب إلى التجريد. هنا تتحول الضفة إلى فسيفساء من الجيوب المعزولة تُدار عبر شبكة من القوانين العسكرية والقيود الاقتصادية والتحكم بالحركة، بحيث تصبح "الإدارة" بديلاً عن السياسة و"الضبط" بديلاً عن الحل.
يتقاطع ذلك مع تحوّل أوسع في العلاقات الدولية من منطق حل النزاعات إلى منطق إدارتها. لم يعد الهدف إنهاء جذور الصراع بقدر ما أصبح احتواءه ضمن مستويات يمكن التحكم بها. يُقاس النجاح بغياب الانفجار لا بتحقق العدالة، وبقدرة النظام القائم على الاستمرار بأقل تكلفة. في الحالة الفلسطينية، يعني ذلك الإبقاء على الاحتلال مع تقليل تبعاته الأمنية والدبلوماسية، لا تفكيكه. تصبح قرارات الكابنيت أدوات لضبط الإيقاع وإعادة توزيع الضغط دون الإشارة إلى مسار سياسي ينهي السيطرة.
يرتبط هذا التحول بانزياح في الخطاب الدولي. فبعد عقود استُدعي فيها القانون الدولي وحق تقرير المصير كمرجعيتَين، باتت لغة الاستقرار والأمن مهيمنة. الاستقرار هنا مفهوم إجرائي يُختبر بقدرة الواقع القائم على منع الانفجار، ويُعاد تعريف الفلسطيني بوصفه عامل مخاطرة يجب احتواؤه، ويُعاد توصيف الاحتلال وضعاً معقّداً يحتاج إدارة هادئة. طالما لا تهدّد الإجراءات الإسرائيلية معادلة الاستقرار الأوسع، يبقى الضغط الدولي محدوداً.
في المقابل، تكشف المرحلة عن أزمة فلسطينية بنيوية تتجاوز اختلال موازين القوى. يعاني النظام السياسي من أزمة تمثيل وشرعية وأفق استراتيجي، ويعمل ضمن إطار يرتبط عملياً بمنطق الاستقرار الدولي، ما يقيّد قدرته على إعادة تعريف قواعد اللعبة. ولم يتبلور مشروع وطني جامع يعكس تحولات الواقع الاستعماري المتجدّد ويقدّم تصوراً يتجاوز خطاب التسوية الذي فقد فعاليته.
مع انسداد الأفق السياسي، لا يختفي الفعل الفلسطيني بل يعيد تموضعه خارج القنوات التقليدية. تتقدم أشكال التعبير الثقافي والاجتماعي بوصفها مساحات للحفاظ على الذات الجماعية في مواجهة الاختزال الإداري. هذا لا يعوّض غياب السياسة المنظمة، لكنه يكشف استمرار الوعي بالحق والهوية، غير أنّ الفجوة تبقى قائمة بين حيوية المجتمع وجمود البنية السياسية.
خطورة اللحظة الراهنة لا تكمن في مضامين قرارات الكابنيت فحسب، بل في تلاقي منطق الاستعمار المتجدد عبر أدوات قانونية وأمنية مع منطق الاستقرار الدولي الذي يفضّل إدارة التوتر على مواجهة أسبابه. هكذا يُعاد إنتاج واقع يبدو ثابتاً فيما تتآكل أسس الحل السياسي تدريجياً. السؤال لم يعد متعلقاً بإمكانية استئناف مفاوضات، بل بقدرة الفلسطينيين على كسر الإطار الذي يحصرهم في خانة "المشكلة الأمنية"، وإعادة إنتاج أنفسهم بوصفهم فاعلين سياسيين يمتلكون تعريفاً مختلفاً للصراع ومعناه.