الحاجّ نقولا والحاجّة صديقتي
تلقيّت مكالمة هاتفيّة من صديقة عزيزة. وكالعادة تطوّر السلام إلى كلام والكلام إلى تبادل في الآراء.
أعادتني تلك المكالمة إلى الثمانينيّات من القرن الماضي، وإقامتي في مدينة اللاذقيّة السوريّة بحكم عملي في علوم البحار.
هناك تعرّفت إلى الراحل الحاجّ نقولا، وهو رجل أعمال معروف بمهنته، ومحبوب لشعبيّته التي اكتسبها من انخراطه في الكنيسة ودعمها. نعم كان مُتديّنًا عصريًّا، لطيف المعشر، مُنفتحًا على الناس.
كانت بيننا زيارات عائليّة، ولكن كنت على الأقلّ أزوره مرّة في الأسبوع في متجره نتناول القهوة التي تعدّها مساعدة له، ونتبادل أطراف الحديث في كلّ شيء: السياسة والدين والمجتمع...، وكان يسألني عن اختصاصي ومشاريعي.
اهتمامه الشديد بالدين كان يدفعه للتطرّق إليه كثيرا، مُستغربًا كيف أنّني لا أؤمن بشيء، خصوصًا أنّ أفرادًا من عائلتي وعائلة زوجتي، وهم من زوّدني باسمه وعنوانه إبان انتقالي إلى اللاذقيّة، بحكم كونهم من التجّار الذين يتعاملون معه، ويعلم عن تديّنهم البديهي في مجتمع مسلم.
لكن يبدو أنّه كان يستمتع بتفسيراتي، وعدم تحيّزي، ونظرتي الموضوعيّة إلى السيّد المسيح بما هو رمز هامّ للمحبّة والثورة والحرّية.
لم ترفضني، بل تسرّبت إلى عميق الجوهر الإنساني وكأنّها ترتقي إلى الله الذي تؤمن به من دون قشور أو حواجز
وذات يوم أُعجب كثيرًا بما فسّرت له فانشرحت أساريره، وارتسمت على وجهه تعابير دهشة فَرِحَة، وخبط بقبضته على الطاولة وهو يؤكّد لي قائلًا: "والله يا رغيد أنت مسيحيّ من دون أن تدري!" لا أنسى شكل وجهه الأبيض الذي تصبّغ بلون الدم وهو يمنّ عليّ بوسام محبّته ذاك. مسيحيّته هي أعزّ ما يملك، ويريدني أن أشاركه فيها.
واليوم، بعد أربعين سنة من تلك الواقعة، تجرّنا الأحداث الجارية في بلاد الشام إلى الحديث عن تأثير الدين في سلوك البشر. صديقتي الحاجّة، مؤمنة، مسلمة، متديّنة من دون تعصّب أو تزمّت، وتشبه كثيرًا الحاجّ نقولا في رحابة صدرها وحسن معشرها.
وعلى الرغم من أنّها تعلم عدم تفضيلي للحجاب، وانتقادي الشديد للدين، أصرّت أنّني أنا في الواقع لا يمكن سوى أن أكون مؤمنًا. أحسست أنّها تعتبرني من خير المؤمنين. أحسست بمحبّة كبيرة وامتنان عظيم، لأنّها لم ترفضني، بل تسرّبت إلى عميق الجوهر الإنساني وكأنّها ترتقي إلى الله الذي تؤمن به من دون قشور أو حواجز.
إيمانها أعزّ ما تملك، وهو أثمن هديّة تريد تقديمها لي. وليس أبلغ من أن تعتبرني مثلها.
الحاجّ نقولا مازال يعيش في الحاجّة صديقتي، والحاجّة صديقتي تعيش في مكنوناتي العميقة، وستكون دائمًا، مع أمثالها، في ضمير الإنسانيّة التي تجمع المسيحيّ والمسلم والعلميّ على حدّ سواء.