الصيف الذي كان لي
ما عدت أذكر متى بدأ الصيف يعني لي "الفسحة الفنية الأجمل"، جنباً إلى جنب مع أُنس السهرات العائلية، وعبق شجرة "عطر الليل"، وحلاوة ثمار التين والعنب البري والصبار. يبدو "الصيف الجميل" بعيداً جداً، وهو لا يبتعد فحسب، بل يذوب وتتآكل أطرافه مع كل دورة للأرض حول الشمس، ويتداعى مع كل جميل ينهار حولنا وفينا. وأفكر في أنني، إن قُدّر لي إنقاذ شيء ما، لاخترت "الصيف" الذي عشته في طفولتي، الصيف الذي كان لي.
لم أفهم، حينذاك، تلك الصلة. يأتي الصيف، فتكتنز الثمار بالحلاوة، وتحتشد الأعمال الفنية التي أحبها. فمن قبل أن أولد، ارتبطت المهرجانات الغنائية والموسيقية، المحلية والدولية، بالصيف. كنا نعرفها من جلسات السمر مع أبي، يحدثنا عن سهرات كازينو بيسين عاليه، ومهرجانات بعلبك التي استضافت أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم، فنعيش روعتها معه، ونفرح حين تأتي الكهرباء في ليالي الصيف لتنقل إلينا، عبر الأثير، بث القنوات المصرية، وبرامج ترفيهية مثل "تاكسي السهرة"، وحفلات مباشرة، بينما ننعم بنسائم الصيف التي تنشر رائحة "عطر الليل" والياسمين في حديقة بيتنا، ونأكل ما حوشته جدتي من ثمرات حقلها البعلي، التي كانت تقطر عصيراً حلواً قلّ نظير كرمه.
نال الصيف أيضاً حصة بارزة من السينما التي عرفناها، سواء تلك التي كان يحددها التلفزيون أو التي توفرها متاجر تأجير أشرطة الفيديو. فقد صُنعت أفلام كثيرة عن الصيف لتُعرض على المستجمين خلال العطلة الصيفية. وكان قطاع الإنتاج السينمائي المصري يخصص، كل عام، مجموعة من الأفلام للصيف، تدور أحداثها غالباً حول إجازة الصيف، والبحر في الإسكندرية، ومصايف أخرى، وتمتزج فيها الكوميديا بالرومانسية وخفة الظل. ثم خفت وهج هذا التقليد السينمائي، سواء بسبب تراجع صناعة السينما في العالم العربي، أو انتشار المنصات التي دخلت كل منزل وغرفة، وأغنت عن الذهاب إلى صالات العرض، أو بفعل سائر الأسباب التي تعيق الإبداع في بلادنا وتجهضه. وآخر "فيلم صيف" عربي شاهدته كان "قبل زحمة الصيف" للمخرج محمد خان. وحتى قبل رحيل خان، كنا ندرك أن الحقبة السينمائية المميزة التي مثلها جيله لن تتجدد ولن تعود، وأن كل حقبة فنية تمضي لا يخلفها سوى الرثاء.
كان الصيف فصلي المفضل، ولم تكن العطلة المدرسية وحدها السبب، بل أيضاً أفلام الصيف، وحفلاته، وأغنياته
طفلةً، كان الصيف فصلي المفضل، ولم تكن العطلة المدرسية وحدها السبب، بل أيضاً أفلام الصيف، وحفلاته، وأغنياته، وربما، قبل كل شيء، عذوبة الطقس، ولا سيما في المساء. وهو أمر لن يستغربه من عاش قبل ثلاثة عقود، حين كانت درجات حرارة الصيف أقل، والتلوث أقل، والبعوض أقل، وآثار الاحتباس الحراري أقل، وحين لم يكن أحد يتخيل أن تتسبب تقنيات الذكاء الاصطناعي، وما يرافقها من توسع هائل في مراكز البيانات واستهلاك الطاقة، في تعميق الضغوط البيئية التي باتت تسهم في تفاقم موجات الحر غير المسبوقة في عصرنا.
في تلك الأمسيات البعيدة، كنا نجتمع في حديقة البيت، وينضم إلينا الجيران وبعض الأقارب، فتتسع الحلقة كما تتسع دوائر الأثير التلفزيوني والإذاعي. وكانت جدتي تقول بفرح: "الصيف بساطه واسع". وكان يبقى واسعاً حتى بعد أن ينام الجميع. أتمدد عليه وأراقب القمر في جميع منازله، من دون أن أعرف عبارات مثل "القمر الدموي" و"القمر الوردي". أرى النجوم تومض لي وكأنها تفعل ذلك من أجلي، وتنطفئ إحداها لتولد أخرى. أسمع موسيقى صنعها قلب فنان، وأقرأ قصائد كتبها قلب آخر، حتى راحت القلوب تنطفئ تباعاً، كما تنطفئ النجوم، ولكن من دون أن تحل محلها نجوم تماثلها جمالاً. لقد سلبني جشع البشر ونكباتهم الإبداعية ذلك العالم.
نعم، كان الصيف جميلاً؛ كان بساطه واسعاً، وليله أنيساً، وخيره وافراً. كان موسم السهرات، والنسائم، والياسمين، وحفلات الفرقة الماسية، وأفلام الحب، والعطلات، والمغامرات. ونعم، صار ذلك الصيف بعيداً... بعيداً، حتى فقدنا الطريق إليه، وفقد طريقه إلينا.