العيش بعد الحلم

14 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 19:02 (توقيت القدس)
+ الخط -

حين أعود بذاكرتي إلى ستينيّات القرن الماضي وسبعينيّاته، لا أراها زمنًا مثاليًا، بل أستحضرها بوصفها مرحلة مُشبعة بالثقة بالمستقبل. آنذاك، كانت هناك حيويّة واضحة، وإحساس (رغم الحروب والتناقضات والظلم) بأنّ العالم يتحرّك، ببطء وعدم انتظام، نحو ما هو أفضل. كان للعلم وزن، وللأفكار أثر، وللاحتجاج معنى. كان ثمّة إيمان بأنّ العقل الإنسانيّ، إذا اقترن بالشجاعة الأخلاقيّة، قادر على كبح جماح السلطة وتوسيع أفق العدالة. ذلك الإيمان هو ما كان يسند الكثيرين منا، لكن اليوم، أكاد لا أتعرّف إلى ذلك العالم.

ما أراه الآن هو مناخ عالميّ مُثقل بالخيبة والرهبة. دولٌ كانت تقدّم نفسها نماذج للديمقراطيّة وضبط السلطة، باتت أكثر تسلّطًا، وأكثر ريبةً من الاختلاف، وأكثر استعدادًا للمقايضة بين الحريّة والسيطرة. اليمين المتطرّف، الذي كان يُستحضَر بوصفه تحذيرًا تاريخيًّا، صار يتجوّل علنًا في أروقة الحكم. العنصريّة والإقصاء والتبسيط الأخلاقيّ لم تعد همسًا، بل أضحت تشريعًا وتطبيعًا، وموضع احتفاء.

في قلب هذا التدهور تقف إمبراطوريّة تقودها الولايات المتّحدة، مُتفوّقة اقتصاديًا، مُهيمنة عسكريًّا، ومقتنعة بإعفائها الأخلاقيّ. نظام لا يفهم القوّة إلا بمنطق صفريّ: مكسب طرف يستلزم تدمير طرف آخر. التعاون مقبول فقط حين يخدم الهيمنة؛ القانون الدوليّ يُستدعى انتقائيًا؛ والمعاناة الإنسانيّة تُقاس بميزان الجدوى الاستراتيجيّة. ما يجري في فلسطين كشف هذه الحقيقة بلا مواربة: تُناقَش الإبادة بوصفها سياسة، ويُعاد توصيف قتل المدنيّين بأنه "أضرار جانبية"، وتذوب الخطوط الأخلاقيّة الحمراء تحت ثقل الحسابات الجيوسياسيّة.

العنصريّة والإقصاء والتبسيط الأخلاقيّ لم تعد همسًا، بل أضحت تشريعًا وتطبيعًا، وموضع احتفاء

لستُ مُندهشًا من عودة المقاومة بأشكال مُتفجّرة. حين يُجرَّد الناس من كرامتهم، وحين تُغلق السبل السلميّة، لا يتبخّر الغضب؛ بل ينفجر. الثورات والانتفاضات وأفعال العنف الارتداديّ ليست أمراضًا غامضة، بل أعراض عالم جعل العدالة مستحيلة بنيويًّا. إدانتها من دون تفحّص الشروط التي تنتجها هو شكل من أشكال التهرّب الأخلاقي. غير أنّ العبء الأثقل الذي أحمله ليس الغضب، بل الفراغ.

بوصفـي عالِمًا ومثقّفًا عاش مرحلة التفاؤل في عقود سابقة، أجد نفسي غارقًا في شعور دائم بالعجز. تتراكم المعرفة، وتتضاعف الأدلّة، ومع ذلك لا يبدو أنّ شيئًا يتغيّر. أشعر بخيبة، لا من القادة السياسيّين فحسب، بل من حضارات كاملة تدّعي سلطة أخلاقيّة فيما تنقض أسسها ذاتها. يساورني الذهول من السرعة التي أُفرغت بها اللغة الأخلاقيّة من معناها، ومن السهولة التي تُبرَّر بها القسوة، ومن الخفّة التي يُعلَّق بها الضمير.

هذا الفراغ ليس مفهومًا تجريديًا. إنّه يتجمّع في الداخل. سخط بلا قدرة على الفعل. مسؤوليّة بلا سلطة. وعي بلا أثر. هذه العوامل لا تُلغي بعضها بعضًا؛ بل تتراكم وتنفجر، مخلّفةً فراغًا نفسيًّا وأخلاقيًّا يصعب تفسيره، لكنّه مؤلم بعمق.

حين يُجرَّد الناس من كرامتهم، وحين تُغلق السبل السلميّة، لا يتبخر الغضب؛ بل ينفجر

لعلّ ما يوجع أكثر هو الإحساس بالخيانة. لقد تبنّيتُ "الغرب" طوعًا، لا بالولادة، بل بالقناعة. آمنتُ بالتزامه بالعقل، وبكرامة الإنسان، وبحريّة البحث، وبالقدرة على المراجعة الأخلاقيّة الذاتيّة. اعتقدتُ أنّ مؤسّساته، مهما اعتراها من خلل، قادرة على التعلّم. اليوم، يبدو هذا الإيمان ساذجًا على نحو مؤلم.

العيش في أستراليا يزيد هذا الشعور حدّة. لطالما رأيتُ في هذا البلد مساحة يتجسّد فيها التعدّد والإنصاف لا بوصفهما شعارين، بل مُمارسةً. غير أنّ ما سُمّي مؤخرًا "قوانين مكافحة الكراهية"، رغم نياتها المُعلنة، عمّق قلقي. حين تُستخدم هذه القوانين لطمس الحدّ الفاصل بين الكراهية والنقد الأخلاقيّ المبدئيّ (لا سيما في سياق عنف الدولة) فهي لا تحمي المجتمع، بل تُفقِره. إنّها تشير إلى انسحاب من الجدل الأخلاقيّ نحو الضبط الإداريّ، ومن الشجاعة الأخلاقيّة نحو الحذر القانونيّ.

بالنسبة لمن آمن بأنّ النقاش المفتوح هو أعظم نقاط قوّة الغرب، يبدو هذا خنقًا فكريًّا. ليست المشكلة في تثبيط آراء بعينها فحسب، بل في جعل الوضوح الأخلاقيّ نفسه موضع ريبة. يُكافأ الصمت. ويُسمّى الانزعاج مرضًا. ويُعاد توصيف الضمير بأنّه تطرّف.

لا أمجّد الماضي. فالعقود التي أستعيدها كانت مليئة بالنفاق والإقصاء والعنف. لكنّها كانت أيضًا مسكونة بإيمان بأنّ التقدّم الأخلاقيّ والسياسيّ والإنسانيّ مُمكن. ما يخيفني اليوم ليس أنّ العالم ظالم، بل أنّه فقد الرغبة في أن يكون عادلًا.