حاجتنا إلى التفكير العلمي

12 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 18:29 (توقيت القدس)
+ الخط -

كثيرة هي التعاريف للإنسان؛ فهو الحيوان الناطق، وقيل: الحيوان الضاحك (على الرغم من أن هناك بحوثًا علمية تثبت أن الحيوانات تضحك، لكن بطريقتها الخاصة التي لا تشابه الإنسان، بل مجرد لهاث يشبه التنفس، أو أصوات غير مسموعة للبشر). وقيل: الحيوان المفكر، ويمكن أن نضيف: الحيوان المنتصب، وغيرها من التعاريف التي تحاول أن تميز الإنسان عن غيره من الحيوانات.

إن علماء الأحياء حين صنفوا الكائنات الحية وضعوا الإنسان في رتبة الرئيسيات على قمة سلم المملكة الحيوانية، وهذا أمر قد نتفق عليه من ناحية التصنيف الفسيولوجي الصرف، لكني أجد الإنسان أسمى مرتبة من ذلك، نظرًا إلى المهارات التي يمتلكها، وأهمها ملكة التفكير، إذ تكاملت أدواتها لدى الإنسان بوجود الحواس الخمس وتطور الدماغ البشري، مقارنة بنظيرتها لدى الكائنات الحية الأخرى.

وقد مكنت تلك الأدوات الإنسان الحديث خلال القرون الخمسة المنصرمة من القيام بكل هذه الثورات العلمية الباهرة؛ فسبر أغوار هذا الكون، ابتداء من كوكب الأرض الذي يعيش عليه وحتى مجاهل ما وراء النظام الشمسي (أصبحت مركبتا فوياجر خارج نظامنا الشمسي منذ عام 2012 وعام 2018 على الترتيب)، مسخرًا كل ما حوله من أجل مصلحته ورفاهيته، ولا تزال مسيرة التقدم العلمي مستمرة، بل أصبحت ذات خطى متسارعة؛ فلا يكاد المتابع لها يستطيع التقاط أنفاسه وهو يلهث وراء أخبار الاكتشافات العلمية المتلاحقة التي تتحفنا بها المجلات المتخصصة.

كل هذا كان ولا يزال ثمرة التفكير العلمي.

ما هو التفكير العلمي؟

قد يتبادر إلى ذهن المتلقي أن التفكير العلمي هو تفكير علماء الطبيعة القابعين في معاملهم أو مراكزهم البحثية، لذا يجيب د. فؤاد زكريا في كتابه (التفكير العلمي) بقوله: "ليس هو تفكير العلماء بالضرورة؛ فالعالم يفكر في مشكلة متخصصة، هي في أغلب الأحيان منتمية إلى ميدان لا يستطيع غير المتخصص أن يخوضه، بل قد لا يعرف في بعض الحالات أنه موجود أصلًا، وهو يستخدم في تفكيره وفي التعبير عنه لغة متخصصة يستطيع أن يتداولها مع غيره من العلماء، هي لغة اصطلاحات ورموز متعارف عليها بينهم، وإن تكن مختلفة كل الاختلاف عن تلك اللغة التي يستخدمها الناس في حديثهم ومعاملاتهم المألوفة".

إن التفكير العلمي هو ذلك النوع من التفكير المنظم، الذي يمكن أن نستخدمه في شؤون حياتنا اليومية، أو في النشاط الذي نبذله حين نمارس أعمالنا المهنية المعتادة، أو في علاقاتنا مع الناس ومع العالم المحيط بنا.

وكل ما يشترط في هذا التفكير هو أن يكون منظمًا، وأن يبنى على مجموعة من المبادئ التي نطبقها في كل لحظة دون أن نشعر بها شعورًا واعيًا، مثل مبدأ استحالة تأكيد الشيء ونقيضه في آن واحد، والمبدأ القائل إن لكل حادث سببًا، وإن من المحال أن يحدث شيء من لا شيء.

فلا يعني التفكير العلمي أن نلم بقوانين العلوم ومعادلاتها، إنما أن نعمل العقل والمنطق في ما يعترض حياتنا من ظواهر ومشاكل، بعيدًا عن ربط الأحداث بالخرافات والغيوب بشكل مفرط!

فقد وضع عالم الاجتماع ابن خلدون - مثلاً - معيارًا أساسيًا لتقبل مرويات التاريخ، وهو موافقتها لطبائع العمران – كما يسميه - فيقول: "القانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة، أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميز ما يلحقه لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضًا لا يعتد به وما لا يمكن أن يعرض له، وإذا فعلنا ذلك، كان ذلك لنا قانونًا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، والصدق من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه".

فوائد التفكير العلمي

يصبح التفكير العلمي، القائم في أساسه على المنطق والبرهان المقنع بالتجربة أو الدليل، أكبر متصد للشائعات، لذا لا غرابة أن تنتشر الشائعات في مجتمعاتنا العربية بكل سهولة ويسر، لأننا لا ننتهج التفكير العلمي في حياتنا المعاصرة.

وكذا يصبح العامل الأكبر في تفكيك الخرافة، وأسوأها الخرافة المتلفعة بثوب الدين!

وليس من قبيل المصادفة أن يكون هذا النوع من التفكير هو قوام العلوم الحديثة، لأنه الذي يستبعد تلكم الأساطير التي كان يختلقها البشر قديمًا ليعللوا الظواهر الكونية عندما لم يجدوا لها تفسيرًا آنذاك، ومن تلك الأساطير، على سبيل المثال، أسطورة ماهية البرق؛ ففي الميثولوجيا الإغريقية، كان البرق هو سلاح الإله زيوس الذي استخدمه لقتل أعدائه (على حد زعمهم).

لكن مع ترسيخ المنهج العلمي الذي انطلق في أوروبا في عصر النهضة بداية القرن السادس عشر الميلادي، نبذ البشر تلك الأساطير وصارت تاريخًا يحكى!

فأصبح العلماء يبحثون عن السبيل لتفسير الظواهر التي تحدث أمامهم، وإذا لم يجدوا تفسيرًا لأي غرابات، التفتوا إلى محاولة الحصول على الفائدة المرجوة من هذه الظاهرة، الفائدة ضمن المنهج البرغماتي النفعي. وإذا لم يجدوا لا تفسيرًا ولا فائدة، تركوها على حالها لغزاً سينكشف بعد حين، المهم أنهم لا يذهبون إلى الأساطير والخرافات في تفسيرها!

يقول جون غريبين في كتابه (تاريخ العلم) عن ميكانيكا الكم: "ولا يزال الناس يجادلون عن "المعنى الحقيقي" لكل هذا، يكفينا الالتزام بالمنهج العملي "البراغماتي"، ونقول إن ميكانيكا الكوانتم تحقق الهدف منها؛ بمعنى أنها تحقق التنبؤات التي تؤكدها التجارب ومن ثم لا يهم ماذا تعني".

ونحن في محمية العالم العربي (الكسير)، ألسنا في أشد الحاجة لأن يكون التفكير العلمي هو طريقتنا المثلى التي نستخدمها في كل شؤون حياتنا المعاصرة؟

عبد الحفيظ العمري
عبد الحفيظ العمري
عبد الحفيظ العمري
كاتب ومهندس من اليمن، مهتم بالعلوم ونشر الثقافة العلمية. لديه عدّة كتب منشورة إلكترونيا. الحكمة التي يؤمن بها: "قيمة الانسان هي ما يضيفه للحياة ما بين حياته ومماته" للدكتور مصطفى محمود.
عبد الحفيظ العمري