حرب إيران وإعادة تشكيل المنطقة: أين يقف المغرب العربي؟

06 مارس 2026   |  آخر تحديث: 18:35 (توقيت القدس)
+ الخط -

في خضم الحرب المُتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تقف دول المغرب العربي أمام مشهد إقليمي شديد التعقيد. فهذه الحرب لا تبدو مجرّد مواجهة عسكرية محدودة بين أطراف إقليمية ودولية، بل تبدو أقرب إلى لحظة تحوّل قد تعيد رسم موازين القوّة في المنطقة، وتفتح الباب أمام ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود ساحات القتال المباشرة.

ورغم أنّ دول المغرب العربي بعيدة جغرافيًا عن مسرح المواجهة، فإنها تدرك جيّدًا أنّ تداعيات أيّ حرب كبرى في المنطقة لن تبقى محصورة في نطاقها الضيّق. فالتجارب السابقة في العقود الماضية أظهرت أنّ الحروب التي تنفجر في هذه المنطقة غالبًا ما تمتدّ آثارها الاقتصادية والسياسية والأمنية إلى شمال أفريقيا، سواء عبر أسواق الطاقة أو التوازنات الإقليمية أو التحالفات الدولية.

في هذا السياق، تبدو مواقف دول المغرب العربي مُتباينة إلى حدّ ما، إذ تعكس كلّ دولة حساباتها السياسية الخاصة وعلاقاتها الإقليمية المختلفة.

مخاوف من توسّع الصراع أو تحوله إلى مواجهة إقليمية واسعة

فالمغرب، على سبيل المثال، يظهر موقفه مُنسجمًا إلى حدِّ كبير مع تموضعه الإقليمي المعروف. فالرباط تحتفظ منذ سنوات بعلاقات وثيقة مع دول الخليج، كما أنّ علاقاتها مع طهران شهدت توتّرات متكرّرة في مراحل سابقة. لذلك لم يكن مُستغربًا أن يأتي الموقف المغربي قريبًا من مواقف عدد من الدول الخليجية التي عبّرت عن قلقها من التصعيد، مع التأكيد على ضرورة حماية الاستقرار الإقليمي.

أما الجزائر، فتبدو حالتها أكثر تعقيدًا من الناحية السياسية. فالجزائر تُعدّ تقليديًا من الدول التي حافظت على علاقات جيدة مع إيران، في إطار مقاربتها التي تقوم على استقلال القرار الخارجي وتوازن العلاقات الدولية. غير أنّ البيان الجزائري حول التصعيد الأخير جاء أقرب في لغته إلى المواقف العربية الداعية إلى خفض التوتّر والحفاظ على استقرار المنطقة.

هذا التباين بين الخلفية السياسية للعلاقات الجزائرية-الإيرانية ونبرة البيان الرسمي يفتح الباب أمام قراءة مختلفة، إذ قد يعكس نوعًا من البراغماتية السياسية التي تفرضها اللحظة الإقليمية الراهنة، خصوصًا في ظلّ المخاوف من توسّع الصراع أو تحوّله إلى مواجهة إقليمية واسعة.

الصراع حول إيران يرتبط أيضًا بصراع أوسع على موازين القوة في النظام الدولي، وعلى شكل الترتيبات الإقليمية التي قد تنبثق عن هذه المواجهة

في المقابل، تميل تونس إلى تبنّي خطاب دبلوماسي أكثر حذرًا، يركّز أساسًا على الدعوة إلى التهدئة ورفض التصعيد العسكري، مع التأكيد على ضرورة حلّ النزاعات عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية. وهو موقف ينسجم مع تقاليد السياسة الخارجية التونسية التي غالبًا ما تسعى إلى الحفاظ على مسافة متوازنة من الصراعات الإقليمية الكبرى.

أما ليبيا، المُنقسمة سياسيًا بين حكومتين وسلطتين متنافستين، فتبقى قدرتها على بلورة موقف خارجي موحّد محدودة، ما يجعل حضورها في هذا الملف أقرب إلى الغياب السياسي منه إلى الفعل الدبلوماسي المؤثّر.

لكن بعيدًا عن اختلاف المواقف الرسمية، تدرك دول المغرب العربي أنّ ما يجري اليوم قد يتجاوز مجرّد حرب تقليدية. فالصراع حول إيران يرتبط أيضًا بصراع أوسع على موازين القوّة في النظام الدولي، وعلى شكل الترتيبات الإقليمية التي قد تنبثق عن هذه المواجهة.

أيّ تغيّر كبير في موازين القوة قد ينعكس على مستقبل المنطقة بأسرها

فإذا أدّت هذه الحرب إلى إضعاف إيران بشكل كبير، فقد يفتح ذلك الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وهو ما قد ينعكس على مجمل التوازنات الإقليمية، بما في ذلك موقع الدول العربية وعلاقاتها مع القوى الدولية الكبرى.

وفي المقابل، إذا استطاعت طهران الصمود أو فرض نوع من الردع، فقد يؤدي ذلك إلى ترسيخ معادلة توازن جديدة، تُجبر مختلف الأطراف على إعادة حساباتها السياسية والاستراتيجية.

في كلتا الحالتين، تبدو دول المغرب العربي معنيّة بمتابعة هذه التحوّلات عن كثب، ليس فقط بحكم ارتباطها بالفضاء العربي والإقليمي، بل أيضًا لأنّ أيّ تغيّر كبير في موازين القوة قد ينعكس على مستقبل المنطقة بأسرها.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه اليوم، ليس فقط من سينتصر في هذه الحرب، بل أيّ منطقة ستخرج من رحمها، وأيّ نظام إقليمي جديد قد يتشكّل بعدها. فالتاريخ يُظهر أنّ الحروب الكبرى لا تغيّر موازين القوى فحسب، بل تغيّر أيضًا الخرائط والتحالفات وأحيانًا مصير الدول نفسها.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم اليوم: من سينتصر في هذه الحرب؟ بل كيف سيبدو شكل المنطقة بعدها؟ ومن سيكون قادرًا على حماية موقعه فيها؟