حكايات حارتنا... الحاج عبد الله
عبد الحفيظ العمري
حارتنا واحدة من حارات الدنيا الضيقة، التي لا تنتهي حكاياتها ولن تنتهي. وهنا أدوّن بعضاً من تلكمُ الحكايات.
(1): حكاية (ابن المناضل)
عرفت الحارةُ أباه مناضلاً ذا صولات وجولات في ميدان السياسة في الأيام الخوالي. ولا تكاد تمر مناسبة سياسية إلّا ويصدح ذكرُهُ بين جنبات الحارة، فيترحم المُعمّرون الذين عاصروه عليه، ويستحضرون ذكرياتهم عنه. بيد أنَّ ولده له شأنٌ آخر! هو لا يفتأ يحدّث الناس في كلِّ محفل أنّه ابن الرجل الذي ضرب المثل في النضالات السياسية مع نظافة اليد، وليس من الذين أثروا من وراء (صولاتهم) في ميادين السياسة؛ فامتلكوا العقارات والأطيان، وجرت الأموال سائلة في أيديهم، وهم الذين كانوا يعيشون على الكفاف! أمّا والده، فقد خرج من الدنيا بلا شيءٍ سوى سيرته العطرة التي تتضوّع في جنبات حارتنا الجاحدة لكلِّ رجل عظيم. ويصرُّ هذا الشاب على ترديد هذه الأسطوانة (المشروخة) عن نضالات ونصاعة والده حتى ملَّ منه سكان حارتنا وأعرضوا عنه بعد أن خاضوا معه نقاشات حامية الوطيس حول ذلك؛ فلقد دار حوارٌ ذات يوم مع ابن المناضل، إذ تشدّق هذا الأخير بسيرة والده العظيم، فانبرى له رجلٌ من حارتنا قائلاً: حسناً، هذا نعرفه عن والدك، ونقدّره له في ذاكرتنا، فما الذي تريده منّا أو من حارتنا أن تعمل حيال ذلك؟ هل تريد منّا أن نصنع له تمثالاً في ساحة الحارة؟! تلعثم الشاب وقال: لا.. بل أقصد... قاطعه الرجل قائلاً: إذن، ماذا تريد؟ يا صديقي، لقد أكثرت من ترديد حكايات والدك، وكلنا نحفظها عن ظهر غيب، حتى ملّك الناس. ثم اقترب منه وربّت على كتفه وهو يقول: دع سيرة والدك تظل ناصعة البياض في أذهان الخلق، ولا تَثلمها بكثرة الترديد، وكأنك تمنُّ بها على حارتنا. ودعني أسألك، لقد كان والدك كما علمنا، فماذا صنعتَ أنت؟ ماذا أضفت على أمجاد والدك؟ لم يُحِرْ الشابُ جواباً، فانصرف مخذولاً، ومن ذلك اليوم لم يعد له صدى في حارتنا.
(2): حكاية (الحاج عبد الله)
الحاج عبد الله أيقونة الحج في حارتنا العتيقة؛ فلا يكاد يمرّ موسم من مواسم الحج إلّا واسمه ضمن قوائم حجّاج ذاك الموسم! إنَّ قلبَهُ معلقٌ بالكعبة، كما يقول. وعندما عُوتب على ذلك، رد مُحنِقاً: ما لكم تلومونني على زيارة بيت الله؟! إنني لا أذهب إلى هناك من أموالكم ولا من صحتكم، بل من مالي وصحتي، وهما، والحمد لله، موفوران لديّ، فما لكم واللوم؟ إني أزور ربي في بيته العتيق، فهل تمنعونني من زيارته؟ يا سبحان الله. لو ذهبتُ في رحلات ترفيهية إلى أوروبا أو أميركا، ما صدر منكم هذا اللوم؟ وكأنني في حجي أذهب لألهو أو هكذا تظنون! إنني رجل مفتونٌ بالحج، وبتلك الربوع المقدّسة، فلا تمنعوني زيارتها، بل ليس لكم الحق في المنع، فخَلَّوا اللومَ والعَتَبَا. وهكذا سارت الأيام، وظلَّ الحاج عبد الله في رحلاته في الحج حتى بلغ من العمر عتياً. وذات موسم، جاءت الأخبار إلى حارتنا بموت الحاج عبد الله هناك في الربوع التي تعلّق قلبُهُ بها طوال العمر، لقد وافته منيته وهو يسعى بين الصفا والمروة. رحمه الله تعالى.
(3): حكاية (بائع اللَّحُوح) أراه كلَّ يوم متسمِّراً في مكانه المعتاد في الحارة، جالساً على (تنكة) من الصفيح وأمامه صحنه الحاوي لبضاعته المكونة من عدة طبقات من اللّحُوح، وهو خبز شعبي مصنوع من دقيق القمح أو الذرة الرومية، ولا يُباع في المخابز، كما هي العادة مع بقية أنواع الخبز، بل يتم إعداده في البيوت. هذا البائع ليس الوحيد في حارتنا، بل هناك آخرون غيره، من كلا الجنسين، منتشرون في جنبات حارتنا العتيقة. الذي لفت نظري فيه أنّه يواظب على مكانه المعتاد كلَّ يوم، وكأنّه في دوام رسمي. أراه جالساً في شبه تنسّك يراقب المارّة، إلّا أنّه يَشغل هذا الجلوس الطويل بالاستماع إلى الأغاني الموجودة في هاتفه السيّار. تكاد عيني لا تخطئ موقعه كلَّ يوم وأنا في طريق ذهابي إلى محل عملي في الصباح الباكر، ولكنّي لا أشاهده عند عودتي من عملي إلّا في الأيام التي أعود فيها مبكراً قبل أذان صلاة الظهر، فخمّنتُ أنّ دوامه، إذا صح هذا التعبير، ينتهي عند الظهر. لستُ من محبي اللَّحُوح، لذا لم أحتك معه ولا مرّة، بيد أنَّ وقفتي في الطريق في دقائق انتظار حافلة الشركة التي أعمل فيها، جعلني أسمع بعضاً من أحاديثه مع بعض أصحاب الدكاكين القريبين منه. أحاديث يغلب عليها إلقاء الطُرف والنِّكات بعضهم عن بعض، أو طلب سيجارة أو ما شابه. أتساءل أحياناً: هل تُرى هذه المهنة مجدية أو مجزية لصاحبها حتى يقضي عمره في مزاولتها؟ أعود فأجيب عن نفسي: قد تكون كلُّ السُبُل أُغلقت في وجهه، فلم يجد سوى هذا السبيل للحصول على لقمة العيش. ولا أظن أنَّ أحداً في حارتنا العتيقة راضٍ عن المهنة التي يزاولها، غير أنَّ دولاب الحياة دار بأصحاب كلِّ مهنة فتمرّسوا عليها، فصارت صنعتهم. حتى أنا، لو سألتُ نفسي، ستجدني بَرِماً من وظيفي في تلكم الشركة التي أعمل فيها! كثيرة هي المهن البسيطة التي يزاولها سكان حارتنا، لكنَّها تقيم أَوَدَ عوائلهم وتسترهم، وهذا هو المهم. فسبحان رازق العباد بلا حول لهم ولا قوة.
وتستمر الحكايات..