التأنيث القسري: حين يتحوّل الدفاع عن المرأة إلى هندسة لغوية عمياء

07 ديسمبر 2025
+ الخط -

تتسع اليوم دائرة الدعوات إلى تأنيث كلّ لفظ عربي يُستخدم في سياق يخصّ النساء، حتى لو كان اللفظ أصلاً مذكّرًا نحويًا أو جامدًا لا يُؤنَّث. ويظنّ البعض أنّ هذه الخطوة جزء من مسار "تمكين المرأة" و"تصحيح الخطاب الجندري". لكن هذا الربط بين الحقوق والصيغ اللغوية يقوم على مغالطة مزدوجة: إساءة فهم بنية العربية، وإيهام بأنّ تغيير الكلمات قادرٌ على تغيير الواقع. 

ولا يتطلّب الأمر جهداً كبيراً ليُدرك من يتأمّل المشهد أنّ بعض الخطاب النسوي العربي المعاصر انزلق من معركة الحقوق الحقيقية إلى معركة شكلية مع الكلمات. وكأنّ الطريق إلى العدالة الجندرية يمرّ عبر إرغام اللغة العربية على تغيير جلدها، لا عبر تغيير القوانين والعقول والسلوك. لقد صار كلّ لفظ مذكّر مهما كان مبرّره اللغوي متّهماً حتى يثبت العكس، وصار التأنيث هدفاً في ذاته، ولو جاء على حساب المعنى والسياق والدقّة. والحقيقة أنّ هذا الاتجاه لا يضيف إلى النساء شيئاً، بل يعكس فقراً في أولويات النضال، ورغبة في تحقيق مكاسب رمزية بديلة من المكاسب الواقعية.

اللغة تُجرّ قسراً إلى معارك ليست من شأنها

العربية ليست نظاماً ذكورياً كما يزعم البعض، بل لغة لها منطق داخلي صارم. المذكّر فيها صيغة قاعدية شأنه شأن عشرات اللغات، تُستخدم للعموم من دون أن تُقصي أحداً. ومع ذلك، يتعامل بعض الخطاب الجندري مع هذه الصيغة وكأنّها مؤامرة لغوية استمرّت منذ العصر الجاهلي حتى اليوم. من يقرأ هذا الخطاب يجد اتهاماً مُبطّناً للغة بأنها أحد أسباب التمييز. غير أنّ التمييز، إن وُجد، يصنعه المجتمع والمؤسّسات، لا قواعد النحو. والأكثر عجباً أنّ هذه الحدّة لا تُوجَّه بالقدر نفسه إلى لغاتٍ أخرى يُعتمد جمعُها المذكّر صيغةً عامةً، مثل: الفرنسية والإسبانية. مثلما تقول الإنكليزية: "mankind"، من دون أن تعتبر النساء خارج البشرية، تقول العربية: "الإنسان"، وهي تعني الرجل والمرأة معاً. وافتراض أنّ المذكّر صيغة "إقصائية" هو تحميل للغة ما لا تحتمله، وصناعة خصومة مع بنية لغوية لا علاقة لها بالتمييز.

اللغة ليست معملاً لإعادة هندسة المجتمع، بل أداة تعبير حيّة لها قوانينها ومنطقها

ولكن يبقى السؤال: لماذا تُحاسَب العربية وحدها؟ لأنها ببساطة، ساحة مثالية لتفريغ الغضب الرمزي، ساحة يمكن أن نخوض فيها معارك بلا كلفة، وبلا صدام مع السلطة أو القوانين أو بنى المجتمع.

من التأنيث المشروع إلى التأنيث المُفتعل 

هناك أنواع من التأنيث مشروعة ومألوفة في الاستعمال العربي، مثل: معلم/ معلمة، كاتب/ كاتبة، مدرّس/ مدرّسة. وهذه صيغ جارية على قواعد الاشتقاق والوزن، ولا خلاف عليها. لكن المشكلة تظهر حين يُراد تأنيث كلّ لفظ لمجرّد أنّ سياقه يخصّ المرأة، حتى لو كان اللفظ غير قابل للتأنيث من الناحية اللغوية، أو كان تأنيثه يغيّر المعنى أو يخلّ بسلامة التركيب. من الأمثلة على ذلك:

(1): نائبة: حين يصبح الالتباس قاعدة

رغم صحّة اللفظ من حيث الصياغة، فإنّ (النائبة) في التراث العربي تعني البلاء أو المصيبة. ومع ذلك يُصِر بعضهم على فرضه لقباً سياسياً للمرأة، كأنّ تجاهل دلالة راسخة سيجعل اللفظة أكثر ملاءمة. المشكلة هنا ليست لغوية فقط، بل سوء تقدير لمعنى الكلمة في الوعي اللغوي العام.

(2): قاضية: لفظ صحيح مشحون بمعانٍ أخرى

صيغة (قاضية) سليمة، لكن اللفظة نفسها تُستعمل أيضاً بمعنى الضربة القاصمة والنهاية الحاسمة. وهذا لا يجعلها خطأً، لكنه يضعها في منطقة دلالية مزدحمة تتطلّب وعياً بما تحمله. مع ذلك، نجد اندفاعاً لا يلتفت إلى هذا العمق، بل يتعامل مع اللغة كأنّها مادّة خام تُشكَّل حسب المزاج.

(3): مديرة عامة: تأنيث يحرّف المعنى الإداري

صفة (عامّ) ليست صفة للجنس، بل رتبة إدارية ثابتة تظلّ مذكّرة مهما تغيّر شاغل المنصب. حين تُؤنَّث إلى (عامّة) يُشوَّه المصطلح ويُحرّف معناه، وكأنّ تغيير حرف واحد كفيل بتغيير الصلاحيات أو النفوذ. إنه تزيين لفظي لا يضيف إلى المرأة أي سلطة حقيقية.

الإصرار على فرض أنماط لغوية جديدة بدافع أيديولوجي قد يجعل اللغة مادة توتّر، بدل أن تكون أداة تواصل وتفاهم

وهكذا تتكرّر الصيغ المفتعلة: (عاملة في السلك الدبلوماسية)، و(كاتبة عدل) رغم أنّ المصطلح القانوني مذكّر اصطلاحاً لا جنساً. هذه المحاولات لا تمثل تقدّماً لغوياً، بل ارتباكاً مفاهيمياً. فاللغة ليست معملاً لإعادة هندسة المجتمع، بل أداة تعبير حيّة لها قوانينها ومنطقها.

الحقوق تُكتسب بالقانون لا بالقاموس

القضية الجوهرية هنا ليست لغوية، بل فكرية. فحقوق النساء تُنتزع عبر: تشريعات عادلة، مكافحة العنف والتمييز، ضمان التعليم والعمل، توفير فرص تمثيل سياسي واقتصادي، إصلاح المؤسسات، تغيير الثقافة والسلوك الاجتماعي.

هذه هي المعارك الحقيقية التي تُحسّن أوضاع النساء وتغيّر الواقع. أما تغيير الكلمات، فيبقى حركة على سطح المشهد، لا تمسّ جذوره. اللغة مرآة تعكس الواقع، وليست عجلة تقوده. ومن الخطأ الاعتقاد بأنّ تغيير المصطلحات سيغيّر تلقائيًا مكانة المرأة. فتلميع المرآة لا يغيّر ملامح الوجوه التي تظهر فيها. بل إنّ التركيز على الألفاظ قد يُضيّع المعركة الأصلية، ويحوّل نضال المرأة إلى معركة تاءٍ مربوطة بدل أن يكون معركة عدالة ومساواة وحقوق. إنّ من يريد فرض التأنيث في كلّ موضع، يصطدم على الفور بتركيب عربي أصيل: امرأة حامل، امرأة مرضع، امرأة طَلْق.

المرأة تستحق عدالة فعلية لا عدالة لفظية، وتمكيناً حقيقياً لا تمكيناً تجميلياً

صيغ ثابتة وفصيحة، لم يرَ فيها العرب انتقاصاً من المرأة، ولم يُحمّلوها شبهة ذكورية. فاللغة بكونها بنية حيّة لا تخضع لمزاج اللحظة، ولا تُغيَّر قواعدها لترضية موقف عاطفي أو نزعة أيديولوجية. إنّ التأنيث القسري للمصطلحات قد يعطي شعوراً رمزياً بالتمكين، لكنه لا يصنع تمكيناً حقيقياً. وإنّ الإصرار على فرض أنماط لغوية جديدة بدافع أيديولوجي قد يجعل اللغة مادة توتّر، بدل أن تكون أداة تواصل وتفاهم.

اللغة أكبر من الأيديولوجيا، والمرأة أكبر من التاء

ليست المشكلة في تأنيث كلمة بعينها، بل في الذهنية التي تتوهّم أنّ اللغة مسؤولة عن الظلم الاجتماعي. هذه الذهنية تخلط بين الرمزي والعملي، وتتعامل مع العربية باعتبارها جداراً يسهل تسديد الضربات إليه بدل مواجهة الجذور الحقيقية للمشكلة. اللغة العربية ليست مؤسسة سياسية قابلة لإعادة الهيكلة، ولا جهازاً إدارياً يمكن إخضاعه للضغط، إنها وعاء حضاري، وذاكرة ثقافية، ونظام دقيق لا يتبدّل بقرارات عاطفية. والمرأة بحضورها وقدرتها وحقّها أكبر من أن تُختزل في حركة إعراب أو علامة تأنيث. إنّ لها معارك جادة تستحق طاقة جادة، لا نزاعات صوتية حول صيغ تُغيَّر اليوم وتُنسى غداً.

التأنيث القسري ليس علامة تقدّم، بل علامة توهان في الأولويات. وتطويع اللغة بالقوّة ليس دفاعاً عن المرأة، بل هروب من مواجهة التحدّيات الحقيقية. فلْتُترك العربية لشروطها، ولتتجه الجهود نحو إصلاح الواقع، لا نحو إصلاح كلمات لا تحتاج إصلاحاً. فالمرأة تستحق عدالة فعلية لا عدالة لفظية، وتمكيناً حقيقياً لا تمكيناً تجميلياً. أمّا النضال الذي ينتهي بتغيير المفردات فقط، فليس نضالاً، بل تلميع للسطح وإهمال للجذور.

لارا زياد المحمد
لارا زياد المحمد
كاتبة وناشطة سورية، حاصلة على ماجستير في اللغات السامية القديمة (العبرية والسريانية) من جامعة حلب 2011.