عن العنصرية في الجامعات الأسترالية

21 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 20:28 (توقيت القدس)
+ الخط -

تكشف التقارير الحديثة الصادرة عن الجامعات الأستراليّة عن وضع يدعو للقلق الشديد. فلم تعد العنصريّة مجرّد حوادث معزولة أو سلوكًا هامشيًّا، بل أصبحت ظاهرة واسعة الانتشار ومتجذّرة، تطاول الطلبة والعاملين من مختلف الخلفيّات العرقيّة والإثنيّة والدينيّة. ولم يعد السؤال ما إذا كانت العنصريّة موجودة في مؤسّسات التعليم العالي، بل كيف يمكن التعامل معها بصورة عادلة ومتّسقة، من دون تفضيل معاناة فئة على أخرى.

يأتي ما سبق بعد دراسة صدرت في أستراليا هذا الشهر (فبراير/ شباط 2026) حول تفشّي العنصريّة في الجامعات الأستراليّة، قادها مفوّض التمييز العنصريّ غيريضاران سيفارامان، بتكليف من الحكومة الأستراليّة، وجاءت بنتائج صادمة.

شملت الدراسة أكثر من 76 ألف طالب وموظّف في 42 جامعة. أفاد 70% من المشاركين أنّهم تعرّضوا أو شهدوا شكلًا من أشكال العنصريّة غير المباشرة، مثل النكات العنصريّة أو التنميط أو الإقصاء الاجتماعيّ. فيما أبلغ 15% عن تعرّضهم لعنصريّة مباشرة، شملت السخرية أو التهديد أو المعاملة التمييزيّة. وأظهرت البيانات أنّ الطلبة اليهود (المتديّنين) والطلبة الفلسطينيّين سجّلوا معدلات تعرّض للعنصرية تجاوزت 90%، بينما تجاوزت النسب 80% لدى السكان الأصليّين (الأمم الأولى)، والصينيّين، واليهود (العلمانيّين)، وأبناء الشرق الأوسط، وسكان شمال شرق آسيا.

ما يزيد الأمر خطورة هو ثقافة الصمت. إذ لم يتقدّم سوى 6% ممّن تعرّضوا لعنصريّة مباشرة بشكاوى رسميّة. وكان الخوف من العواقب، وانعدام الثقة بآليّات الشكاوى الجامعيّة، والشكّ في جدواها من أبرز الأسباب. الرسالة واضحة: العنصريّة ظاهرة بنيويّة، والأنظمة القائمة لا تؤدّي الغرض المنشود منها.

لم يتقدّم سوى 6% ممّن تعرّضوا لعنصريّة مباشرة بشكاوى رسميّة

يدعو التقرير، بحقّ، إلى إصلاحات هيكليّة عاجلة؛ تحسين آليات الشكاوى، وتعزيز المُساءلة المؤسّسية، واعتماد سياسات تضمن بيئة جامعيّة أكثر شمولًا واحترامًا. غير أنّ هذه النتائج تُثير أيضًا سؤالين أوسع وأكثر حساسيّة.

أوّلًا، إذا كانت أستراليا تمتلك بالفعل مفوّضًا للتمييز العنصريّ وإطارًا قانونيًّا مُتكاملًا لمكافحة التمييز، فلماذا يجري إنشاء مناصب إضافيّة مُخصّصة لفئات بعينها؟ وعلى وجه الخصوص، لماذا تعيين مفوّض خاصّ لمكافحة معاداة الساميّة، في حين تُظهر البيانات أنّ العنصريّة تطاول طيفًا واسعًا من المُجتمعات بنسب متقاربة؟

يقوم مبدأ قانون مكافحة التمييز في أستراليا على وجوب كون الحماية متساوية للجميع. إنشاء أدوار منفصلة لمجتمعات مُحدّدة قد يهدّد هذا المبدأ، وقد يبعث برسالة، مقصودة أو غير مقصودة، مفادها أنّ بعض أشكال العنصريّة تحظى بأولويّة مؤسّسية على غيرها. وفي دولة متعدّدة الثقافات تلتزم بالمساواة أمام القانون، فإن مجرّد هذا الانطباع يدعو للقلق من دون شكّ.

العنصريّة ظاهرة بنيويّة، والأنظمة القائمة لا تؤدّي الغرض المنشود منها

ثانيًا، لماذا يبدو أنّ جماعة ضغط بعينها تحظى باهتمام سياسيّ وإعلاميّ يفوق غيرها؟ فالمعطيات تُظهر أنّ الفلسطينيّين، والسكان الأصليّين، والآسيويّين، وأبناء الشرق الأوسط وغيرهم يتعرّضون للعنصريّة بمعدّلات مرتفعة أيضًا. ومع ذلك، غالبًا ما يتركّز الخطاب العام بصورة غير متناسبة على معاداة الساميّة، أحيانًا على حساب أشكال موازية أو متقاطعة من العنصريّة.

هذا لا يعني التقليل من خطورة معاداة الساميّة. فهي واقع خطير ويجب التصدي لها بحزم. لكنّ الأمر نفسه ينطبق على العنصريّة ضدّ الفلسطينيّين، وضدّ الآسيويّين، والإسلاموفوبيا، والعنصريّة ضدّ السود، والتمييز بحقّ السكان الأصليّين. تحويل مكافحة العنصريّة إلى سباق تنافسيّ حول "من هو الضحيّة الكبرى" يضعف التماسك الاجتماعيّ، ويحوّل النضال المشترك من أجل العدالة إلى منافسة على الاعتراف والدعم.

ينبغي أن تكون الجامعات الأستراليّة فضاءات للنقاش النقديّ والاختلاف القائم على الاحترام المتبادل. وفي زمن الاستقطاب العالميّ، ولا سيّما حول قضايا الشرق الأوسط، أصبحت بعض الجامعات مسارح ينعكس فيها الصراع السياسيّ على العلاقات الشخصيّة. لكنّ الحل ليس في ترجيح سرديّة على أخرى، بل في تعزيز الضمانات الشاملة وتطبيقها بصورة متساوية.

إذا كانت العنصريّة، كما يشير التقرير، "هي القاعدة لا الاستثناء"، فإنّ الاستجابة يجب أن تكون أيضًا بنيويّة وعادلة للجميع. ربّما يكون تعزيز صلاحيات وموارد الهيئات القائمة لمكافحة التمييز أكثر عقلانيّة من زيادة المناصب الخاصّة. كما أنّ ضمان الشفافيّة في معالجة الشكاوى، وحماية المبلّغين، وتعزيز الحوار بين الثقافات، خطوات تخدم جميع الفئات من دون استثناء.

تقوم أستراليا المُتعدّدة الثقافات على مبدأ بسيط وعميق: المواطنة، لا العِرق ولا الدين، هي أساس الانتماء. لا تُعتبر أيّ جماعة أكثر أستراليّة من غيرها. ولا معاناة تستحق الحماية أكثر من غيرها. يجب أن تعكس مكافحة العنصريّة هذا المبدأ الجوهري.

التحدّي أمامنا ليس فقط إدانة العنصريّة بكلّ أشكالها، فهذا أمر يسير، بل مقاومة تسييس وضع "الضحيّة"، وصون المساواة من دون خوف أو محاباة. عندها فقط يمكن لجامعاتنا أن تكون حقًّا ما تدّعيه: مؤسّسات علميّة تقوم على العدالة والكرامة والاحترام المتبادل.