قبرين يما: أنت وأخوك
في غزّة يموت الإنسان مرةً تلو الأخرى، ولا مسافة بينهما، كأن نودّع بعضنا بعضاً، وبعد لحظاتٍ قد يرحل أحدنا للأبد وإلى الأبد. خلال الحرب كنت قد ودّعت شقيقتي على أمل أن نلتقي مرةً أخرى في القريب العاجل. كان أغلب ظنّنا أن الحرب لن تستمر لأكثر من عدة أشهر فقط، ولم نكن نعرف أبداً أنها ستستمر لعامين وأكثر، وسنظل موزعين ما بين هنا داخل البلاد وخارجها. كانت تلك واحدة من أولى صدماتي الكبرى في الحياة؛ أن نظن شيئاً، ثم تأتي الحياة بشيء آخر تماماً.
عندما بدأت العمل صحافية، صرت أنظر إلى العالم من حولي بدهشة دون أن أنطق بكلمة، وكأنني أقف في طابور انتظار طويل. ولكن أي انتظار؟
انتظار الموت.
كانت غزة جميعها تمر بحالة عزاء مفتوح، لكن أن ترى زملاءك يبتلعهم وحش الموت، واحداً تلو الآخر، كما أحب دائماً أن أسميه، كان أمراً يربكني في كل مرة. ليس لأنني أخشى فكرة الموت نفسها، بل لأن السؤال الذي ظل يلاحقني هو: كيف يمكن لإنسان أن يعتاد هذا المشهد، مهما تكرر؟
قبل شهرين فقط، ودّعنا الزميل الصحافي محمد وشاح، واليوم نودّع شقيقه، الزميل الصحافي، مصوّر قناة الجزيرة ومرافقه الشخصي، أحمد سمير وشاح.
كان وقع الخبر أشبه بصدمة، بل بدوامة شعرت للحظة أنها تكاد تبتلعني.
ورغم أن معرفتي بمحمد وأحمد كانت سطحية جداً، إلا أنهما كانا زميلين وشريكين في المكان نفسه الذي اعتدت ارتياده؛ خيمة الصحافيين في مستشفى شهداء الأقصى. وإلى جانب ذلك، كنت قبل أسابيع قليلة فقط أعمل على مادة صحافية عن محمد وشاح.
ذلك النوع من الكتابة الذي يجعلك تقترب كل يوم أكثر من تفاصيل الإنسان الذي تبحث خلفه، حتى يغدو ما يصيبه يؤلمك، وكأن مصابه صار مصابك.
صباحاً، أطلعني أحد الزملاء على مقطع مصوّر لأحمد قبل دخول الهدنة الأخيرة حيّز التنفيذ، يقول فيه مازحاً: "إحنا الصحافيين زي الجاج اللي بقفص. كل شوي حد بمد إيده وبطلع واحد، وباقي الجاجات بتفزع. من هان لآخر الحرب مش هيضل واحد منا".
لقد صدقتَ التشبيه يا أحمد. ذلك الشعور لا يفارقني كلما خططت كلمة، لأنني أعرف جيداً أن الكلمة، كما الرصاصة، قد تقتل، تماماً كما قتلتك إسرائيل بسبب الكاميرا التي حملتها.
ذلك النوع من الكتابة الذي يجعلك تقترب كل يوم أكثر من تفاصيل الإنسان الذي تبحث خلفه، حتى يغدو ما يصيبه يؤلمك، وكأن مصابه صار مصابك
ومع ذلك، سنظل مستمرين في التغطية، ليس لأننا، كما تروّج بعض الخطابات، خارقون، بل لأنّ هذا قدرنا، ولأننا لا نعرف مهنةً أخرى غيرها يا أحمد، حتى وإن كنا نعرف مسبقاً أن الثمن عزيز جداً، مثل أن نحمل أرواحنا على أكفّنا.
ستظل الصباحات التي أمرّ فيها بجانب مشرحة الموتى الواقعة بمحاذاة خيمة الصحافيين تقتلني، حتى وإن بلغت من العمر مئةً. ذاكرتي لهذا المكان، إلى جانب فصل المجاعة من عمر الحرب، كلاهما لن أنساه ما حييت. ليس لأن الذكرى تقتل، بل لأن كليهما يولّد داخلي شعوراً بالألم كوخز السكاكين.
جثامين الشهداء، والغصة المرتسمة على وجوه الأمهات والزوجات والحبيبات والأبناء والإخوة في لحظة الوداع الأخيرة، وطابور الرجال وهم يؤدون الصلاة على الجثامين، والكفن الأبيض، ومنظر الأقدام التي تركض خلف الجنائز عند بوابة المستشفى. كل ذلك لن أنساه، لأنني أيضاً لا أريد أن أنسى.
"قبرين يما: أنت وأخوك". أنظر إلى والدة محمد وأحمد، وإلى والدهما، وأتساءل: أي قلب يمكنه أن يحتمل كل هذا؟
أفكر كيف يمكن مواساة من فقد ابنَين، فلا أجد كلمات تتسع لهذا الفقد. كل ما يحدث أنني أتقوقع داخل رأسي، مثل حلزونة خائفة. سبعون يوماً فقط مضت يا خالة، حتى إن الدموع على قبر محمد لم تكن قد جفّت بعد. لكنها الدنيا. دنيّة.
تتردد في داخلي دائماً عبارة والدي: "هذا قدرنا، الفلسطينيين".
ولا أعرف حقاً كيف تمضي الحياة هكذا بلا عدل ولا محاسبة أمام قدرٍ تجري فيه أنهارٌ من الدماء! سامحني يا الله، واربط على قلوب الفلسطينيين جميعاً، فما يحدث يفوق كل عقل على الاستيعاب. وليس ذلك ضعفاً في الإيمان بقضائك وقدرك، فاللهم إنا لا نسألك أن تخفف حملنا، ولكن نسألك أن تمنحنا ظهراً قوياً.
أفكر في أحمد، ومحمد، ووالدتهما، ووالدهما المسنَين، وفي إسراء زوجة محمد، وريماس، وسمية، وعبد الرحمن، وسمير. أفكر في كل هؤلاء، وفي هذا الفقد الممتد بلا نهاية.
وأفكر بكل الشوق الذي حملته يا أحمد لأخيك محمد، حتى لحقت به بعد شهرين فقط. أي حب خالص هذا؟
أتذكر ما حكتْه لي إسراء عنك. روت لي كيف اتصلت بك في اللحظات الأولى بعد استشهاد محمد لتخبرك: "محمد استشهد". لكنك أنكرت الخبر، وصرخت، وبكيت. وكيف أنك كنت ذراع محمد وسنده؛ تنقل عائلته في النزوح، وتحمل حقائبهم، وأقصى أحلامهم بالنجاة، حتى إن أبناء محمد ظنوا أنك أخوهم، لا عمهم، بعدما أوصاهم محمد أن ينادوك "عمو أحمد" بدلاً من "أحمد".
ستظل إسرائيل تقتلنا واحداً تلو الآخر؛ صحافيين، وأطباء، ومهندسين، وآباء، وأمهات، وأبناء، وحبيبات، وزوجات، لا لشيء سوى لتهمة واحدة هي: فلسطينيتنا.
على أمل أن يصحو هذا العالم يوماً، وأن تصدق مواثيقه، وقوانينه الدولية، وشعارات حقوق الإنسان التي لا يكف عن المواء بها. وستظل غزة حرة، أبية، عصية على الكسر، رغم أنف المحتل. ورحم الله أحمد ومحمد وشاح، ورحم جميع الصحافيين الأحرار الذين ارتقوا في الميدان.