كالآخرين...

30 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:09 (توقيت القدس)
+ الخط -

لم يكن يمرّ من هنا إلّا بعد أن ينهي إملاءات الحياة. كان خاضعاً كغيره؛ تخجل الحصى على الطرقات من وطأة أقدامه، لذا تراه يتعثّر بين خطوةٍ وأخرى. واجهات المحال لا تعكس صورته، كما الأجساد المحاذية لا تلقي له بالاً.

ظنّ نفسه من المنبوذين في الشوارع؛ فالاحتفاء لا يدركه إلّا في المجالس المغلقة، حيث تُقام الاحتفالات خصّيصاً للمترنّحين على شاكلته.

في تلك الليلة، كان البكاء متحلّقاً حوله، والكآبة مقيّدة بإحكام تحت أقدام الموسيقى. حتى الحضور لم يكن جاهزاً بعد للانفصال الكامل عن مآسي العالم. كلّ شيء كان مؤاتياً للنحيب؛ فقط للنحيب. للّطم على الوجوه، وغرز الأظافر تحت هالات العيون المتبرّجة. لقد كان الجميع ممزقاً من الإحباط نفسه؛ والمخمل ثقيلٌ خانق، والجواهر تحت الأثواب مُنفَجِعة.

تراجع قليلاً كي تُبصَر الصورة بوضوحٍ أكبر، لكنه لم يقدر على مشاركتهم. تذكّر يوماً تحدّث فيه عن الجنّة، حين زارته "جهنم، وبؤس مصيرها" ذات أحدٍ، في الكنيسة المعتادة. ظنّ أنّ هذا الحديث جدير بالمشاركة مع "المُشركين" من حوله. تفوّه بكلمةٍ، لكنّها، في زاويتها الخفية، أسقطت مرمدتها على السجّاد.

تذكّر يوماً تحدّث فيه عن الجنّة، حين زارته "جهنم، وبؤس مصيرها" ذات أحدٍ، في الكنيسة المعتادة

هنا توقفت الموسيقى. التفت الجميع إليها، ومن بينهم هو. حبل أفكاره الذي انقطع راح يلتفّ حول جسدها هي، محاولاً خنقه؛ كلّ ذلك في صمتٍ مطبقٍ لم يفهمه أحد سواهما. أراد أن يلعب دورَ مَن يُعيد الاعتبار للمجرمين أمام ذويهم: انحنى ليجمع الزجاج من أمامها، فما كان لها إلّا أن رمقته باحتقار، ثم دَهَستْ يده فوق الفتات.

"ابقَ كما أنت" قالت، والشّهب تخرج من عينيها كانعكاسين خافتين لرأسه الأجلح.

"كأنّ كلّ ما تقول أمرٌ مُنزل لا تجوز مناقشته"، تابعت. "وهذا مرفوض تماماً. مرفوض ولا أريد الانخراط فيه. ألا ترى كيف تسير في دائرة الذّلّ العقيمة تلك فقط كي تثبت لنفسك أنّك موجود؟ أن أكتب هكذا؟ لماذا؟ كي يقال لي مجدّداً إنّني لا أُفهم، وأنّ ما أقوله سوداوي، وأنّ ما أبوح به يدفع إلى الجنون؟ أن أكتب كي أسمع الأسطوانة المهترئة التي تعيد إيقاعها النخبويّة كلّما دارت؟ ماذا عن العزوف عن كلّ هذا بدلاً من الاستمرار بالعزف على ذلك الوتر الصدئ الذي لا يفهمون منه شيئاً؟ ماذا؟ أجبني. لا تقف كعبدة الأصنام هكذا. واجهني. قل لي كلّ ما تفكّر فيه، بلا تلفيق، بلا تنميق، بلا زركشات اللغة التي تكذبون بها بعضكم على بعض في جلساتكم.

أتعلم كم تبدون مثيرين للسخرية والشفقة؟ كم تبدو حفلاتكم التنكريّة وبزّات التوكسيدو التي تتباهون بها مقزّزة، وشبيهة بالمتشرّدين؟ أنتم المتشرّدون الذين يجوز التصدّق عليهم ببعض الحقائق: الحقائق التي تفتقرون إلى روائحها ورونقها في أحلامكم. أنتم السفلة القابعون في أسفل الهرم الذي تتوهّمون ترؤّسه. كم أكرهك. وأكرهكم. وأشعر بالعار لوجودي بقربكم في هذه اللحظات. أشعر بالخزي، والأوساخ تسيطر على كلّ قطرةٍ من جسدي عندما أنظر في أعينكم.

كيف لكم أن تعيشوا هكذا؟ نصفكم مطأطئون، ونصفكم خونة؛ متحلّقون حول مائدة من أناس فضلّوا الموت على البقاء بجواركم.

لا تقترب مني. لا تُهدّئني. لا أريد أن أهدأ. أريد أن أبصق في شاربك، وأصفعك حتى يسيل الدم من أنفك. أريد أن أكسر النظارات داخل عينك وأشاهد لونها الأزرق يميل إلى البنفسجي الميّت. أتعلم ما أريد أيضاً؟ أن أفجّر رأسك بهذا الكرسي، لعلّ دماغك يلاحظ أنّه لم يُخلق للزينة أو لعق مؤخّرات السلطة اللعينة.

أما زلت تصدّق أنّ هناك صدًى حقيقياً للكلمات؟ الصدى الوحيد الحيّ هو ذلك الذي يتآكل حناجر الجياع

ابتعد عني، إيّاك وأن تلمسني. اللعنة عليك، وعلى كلّ ما تتفوّه به. هستيريّة؟ أهذا ما قلته أيها الجبان الأرعن؟ قل ما شئت، فهذا لا يعنيني. وجودك بأسره لا يعنيني. أنت أشبه بمسخٍ داشرٍ من حظائر البهائم؛ حتى البهائم تخجَل من تشبيهك بها. ابق هناك، على مقربةٍ من تلك التمثيليّات التي تشبهك وتدغدغ ذكوريّتك المختونة على أبواقهم.

لا أعلم كيف قبلتَ أن تُدنّس نفسك إلى هذا الحدّ. ألست تمتلك أدنى قيمة تجاه روحك؟ أين دفنت احترامك لذاتك؟ أجبني، فوق أيّ كومةٍ من لذّاتٍ فعلتها؟ هل كان الأمر يستحقّ بقدر ما ظننت؟ هل كانت كلّ تلك الأضواء كفيلة بأن تنذرك بالحظّ العاثر الذي سيأتي لا محالة؟ نعم، سيأتي. أنت لا تعلم بعد خفايا هذه الثريات. صدّقني. سيجيء يومٌ تسقط فيه الواحدة تلو الأخرى فوق جمجمتك. المسألة مسألة وقتٍ بارد لا أكثر؛ وقتٌ يعدّ العقارب التي ستلسعك في منامك.

لماذا تنهّدت فوق كلّ ذلك العبث؟ كلّ ذلك كي تتعرّى فوق أطياف تطرفهم؟ ألَا تدرك كلّ من يدمرونه بأفكارهم؟ كفّ عن تغيير الموضوع. اللعنة على الكتابة في هذه الأوقات. اللعنة على الأدب وقلّته. أما زلت تصدّق أنّ هناك صدًى حقيقياً للكلمات؟ الصدى الوحيد الحيّ هو ذلك الذي يتآكل حناجر الجياع، أيها الأحمق.

أجل، أجل. أنسب طريقة هي أن تبتلع كأسك المقرف تلك. احتسِ الكحول وأخبرهم غداً على المنابر أن ذلك حرام. لا تنسَ ذلك. اشرب، اشرب، واكذب؛ كأيّ كلبٍ عابرٍ في الطّين، اكذب عليهم وتفنّن أمام الواجهات... كالآخرين.

سارة الدنف
سارة الدنف
طالبة لبنانية في جامعة السوربون بباريس. صدر لها كتابان، أحدهما بالعربية والثاني بالفرنسية، ونشرت عدداً من المقالات.