ليبيا... بين فوبيا التوطين وواقع الاستيطان

12 نوفمبر 2025
+ الخط -

يتصاعد في السنوات الأخيرة خطاب الكراهية ضدّ المهاجرين والوافدين في المنطقة والعالم، وليبيا ليست استثناءً من هذه الموجة. فوسط حالة الانقسام السياسي والعنف والفوضى المستمرّة، يعلو صوت بعض الليبيين الرافضين لما يسمونه "التوطين"، ويرفعون حالة الطوارئ، وكأنّ البلاد مُهدّدة بأن تتحوّل إلى مستعمرة جديدة للمهاجرين الأفارقة.

لكن السؤال البسيط الذي ينسف هذا الهوس، والذي طرحه عليّ صديقي الوهمي ذات مساء: هل ليبيا أصلًا قابلة للاستيطان؟

ليبيا اليوم بلد عبور لا بلد إقامة. لا أحد يرغب في البقاء فيها، حتى أبناؤها يغامرون بحياتهم في البحر هربًا من الجحيم، من الفوضى والمليشيات وانعدام مقوّمات الحياة الأساسية. كيف يمكن "توطين" أحد في بلد تحكمه البنادق لا القوانين، وتُدار فيه الحياة اليومية بالخوف والمصادفة؟

الغريب أنّ من يرفعون شعارات رفض "التوطين" هم أنفسهم مستوطنون تاريخيًّا، جاء أجدادهم من شبه الجزيرة العربية قبل مئات السنين واستقروا في شمال أفريقيا، ثم مع الزمن عرّبوا كلّ من في هذه الأرض. صار السكان الأصليون، الأمازيغ والتبو والطوارق وغيرهم "أقليات" في أرضهم، يُمنحون بعض الامتيازات كأنّها صدقة، ويُعاملون بوصفهم غرباء، تمامًا كما حدث مع السكان الأصليين في أميركا. وإذا طبّقنا المنطق ذاته، فعلى من يخافون من "التوطين" أن يعودوا إلى نجد والحجاز ويتركوا هذه الأرض لأصحابها الأوائل.

كيف يمكن "توطين" أحد في بلد تحكمه البنادق لا القوانين، وتُدار فيه الحياة اليومية بالخوف والمصادفة؟

من وجهة نظري، التي قد تزعج كثيرين، لا يختلف هذا التفكير كثيرًا عن الاستيطان الذي يجري في مناطق عدّة من العالم. فالمسوّغ واحد: حقٌّ ديني أو تاريخي مزعوم، ينتهي بطمس الهُويّة الأصلية واحتلال الأرض. كلاهما يبني شرعيته على رواية مختلقة، ويخاف من الآخر لأنّه يرى في وجوده تهديدًا لسرديته.

ومن المفارقات التي تفضح هذا النفاق، أنّ هؤلاء أنفسهم يفرحون حين يفوز مسلم أو عربي في انتخابات في أوروبا أو أميركا. يحتفون بـ"المسلم الذي أصبح عمدة" أو "العربية التي دخلت البرلمان"، ولا يرون فيهم "مستوطنين" في تلك البلاد. يقبلون فكرة الاندماج هناك، لكنهم يرفضونها هنا. أيّ ازدواجية هذه؟ أليس هؤلاء أنفسهم من يسعون للهجرة إلى "بلاد الكفار" ليعملوا ويتعلّموا ويبنوا حياة كريمة، بينما يضيقون ذرعًا بمهاجر بائس مرّ بليبيا في طريقه إلى أوروبا؟

ثم لنسأل سؤالًا جوهريًّا: هل يمكن التوطين في اللاوطن؟

الوطن هو المكان الذي يضمن حقوق مواطنيه، ويصون كرامتهم، ويوفّر لهم الأمان والعدالة والفرص. فأين هذه الشروط في ليبيا اليوم؟ كيف نتحدث عن "توطين" المهاجرين في بلد لا يضمن حتى حق الحياة لأبنائه؟

يقبلون فكرة الاندماج هناك، لكنهم يرفضونها هنا

إنّ أقوى دول العالم تمنح جنسيتها لكلّ من يقيم فيها بسلام، يلتزم بالقانون، ويشارك في بنائها. أمّا في ليبيا، فلا يوجد إطار قانوني واضح للتعامل مع اللاجئين أو المهاجرين: لا قانون لجوء، ولا حماية، ولا تعاون حقيقي مع هيئات الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية. بل على العكس، هناك عراقيل وترهيب ومقاربة أمنية تقوم على الاعتقال والتعذيب والترحيل، وكأنّ العنف هو وسيلة الردع الوحيدة.

في النهاية، ليست الأزمة أزمة "توطين"، بل أزمة هوية وعنصرية وخوف من الآخر.

الخوف من المختلف، من المهاجر، من الأفريقي، من كلّ ما لا يشبه "نموذج العربي المثالي" الذي صنعته السلطة والدين والقبلية. إنها فوبيا الذات قبل أن تكون فوبيا الآخر.