"مئة وعشرون يوماً" في جزيرة إبستين

03 فبراير 2026
+ الخط -

في البدء كانت "سيلينغ"، القلعة المُحصّنة في رواية الماركيز دو ساد، ثم أصبحت "سالو" في مخيلة "بازوليني"، واليوم أضحت "ليتل سانت جيمس"، الجزيرة الماجنة الّتي قرّر فيها جيفري إبستين أن يجمع أثرياء العالم، ليقدّم لهم القاصرات على أطباق من استغلال. هذه الرحلة تثبت، وللمرّة الألف، أنّ التاريخ، يُعيد نفسه بلا شكّ، المرّة الأولى كتراجيديا، والمرّة الثانية كحاوية مهملات.

عندما كتب الماركيز دو ساد روايته "120 يوماً في سدوم" داخل زنزانة في الباستيل، أضاف للبورنوغرافيا البعد الذي لا يمكن تجاهله بعد الآن، وهو انعكاسها على كلّ ما يشكلّ ديناميّات السلطة في السياسة. لقد وصف ما لا تخجل السّلطة من فعله عندما تبتعد رويدًا رويدًا عن أعين الرّقابة. كان يحاول أن يؤرشف ما لن يتوارى الرجال عن فعله عندما تقترن فيهم السّلطة بالثراء الفاحش. فما الوسيلة الأقصر والأقرب للشعور بالطغيان، سوى بترجمته جنسيًّا على أجساد أطفال، لا يملكون من الحياة سوى براءة "يحلو" لهم استغلالها وتدميرها؟

 وبالفعل، أحسن اختيار "أبطاله"؛ رباعيّة من أسقف، ودوق، وقاضٍ، ومصرفيّ، يمثّلون جميع أشكال السّيطرة. ترافقهم زوجاتهم اللائي يتبادلونهن كالجواري. كيف أنسى تلك الجملة الّتي قرأتها وجعلتني أفهم تلقائيًّا ما يفكّر به الرجال ولا يجرؤون على إقراره، عندما أكدّ بالحرف: "نحن معشر المنحلّين، نتّخذ النساء عبيدًا لنا؛ لأنّ صفة "الزوجة" تجعلهن أكثر خضوعًا من العشيقات، وأنت تعلم قيمةَ الاستبداد في اللذّات التي نختبرها".

العمى الاختياري هو ما تراهن عليه السلطة ليبقى إجرامها مستمراً

تخيّلوا أن تكون هذه هي المبادئ التي يعتنقها أصحاب السلطة في أعماقهم، حتّى في بيوتهم، ومع شريكات الحياة وأمهات أطفالهم؟ فكّروا فقط بمدى العجرفة الحقيقية الّتي تختبئ خلف المسرحيّات والبيوت "البيضاء" والأفلام "الوثائقية".

ربّما كان بيير باولو بازوليني، أكثر من فهم الماركيز دو ساد، إذ أدرك أنّ الرواية لم تكن محض تمرّد على قيم القرن الثامن عشر الفرنسي، بل كانت الحالة المُرافقة لجميع الأنظمة القمعيّة، وبالتأكيد البطريركيّة منها على وجه الخصوص. لقد نقلنا إلى "سالو"، مدينة قرب بحيرة غاردا، حيث أقام موسوليني عام 1943 بعد أن حرّره النّازيون، جاعلًا أبطاله الأربع من كبار الشخصيات الفاشيّة، الذين يقومون باختطاف تسعة فتيان وتسع فتيات صغار من الريف وبعض القرى المحيطة، لقد كان هذا أوّل فيلم له من "ثلاثيّة الموت"، والّذي تقصّد أن يقسّمه بطريقة تحاكي جهنّم دانتي. 

لقد تعمّد بازوليني أن يقابل "ثلاثية الحياة" بوجهها الآخر، الأكثر قتامة وبؤسًا، مُظهرًا كيف أنّ الاستهلاك هو الفاشية الحقيقية، وعندما تكمن القوّة في أياد قذرة، هكذا ستكون النتيجة: تحويل الإنسان الى أداة للمتعة، تحويل المرأة إلى أداة احتقار، تحوّلٌ للجسد الطفولي خاصةً، إلى "قربان" لآلهة الحداثة. 

ينهي بازوليني فيلمه بمشاهد تعذيب مرعبة تُراقَب عبر المناظير. وهذا ما نفعله بشأن قضية إبستين بشكل أو بآخر. نراقب "أهوال الجزيرة" عبر شاشاتنا وما يتسرّب لنا من وقت لآخر، ونبقى على حالنا، مستسلمين للفاشية الجديدة. فالقمع الحقيقي يبدأ عندما نرى الفظائع بأم أعيننا ولا نجرؤ على تصديقها. وهذا العمى الاختياري هو ما تراهن عليه السلطة ليبقى إجرامها مستمراً.

الضحايا في ملفات إبستين قتلوا مرتين، مرّةً في الجزيرة، ومرّةً عند محاولة طمس الحقائق وتلميع الأسماء الكبرى

الوثائق التي رُفع عنها الخمار مؤخّراً، التي تضم آلاف الصفحات من الشهادات، لا تتحدّث عن انحراف فردي، بل شبكة بنيوية: رباعيّةً بدمجها لنفس السّلطات، "أحاديّة" بانتقائها للضحايا. هذا التحالف هو "المركب السلطوي" الذي يمنح الحصانة للرذيلة، أمّا الفزع الذي أصاب العالم مع صدور الملفات فهو ليس بسبب الأفعال بحدّ ذاتها على ما يبدو، بل بسبب اكتشاف أنّ المنظومة برمتها متورّطة. 

الضحايا في ملفات إبستين قُتلوا مرتين، مرّةً في الجزيرة، ومرّةً عند محاولة طمس الحقائق وتلميع الأسماء الكبرى. فما هذه "الشفافية الزائفة"، التي تَعرض كلّ التفاصيل وتحجب الحقيقة في الوقت نفسه؟ فالحقيقة هنا هي المحاسبة، ولا تستطيع أن تكون سوى ذلك.

تنتهي رواية ساد بفناء الضحايا وبقاء الطغاة، بينما بكى كاتبها دموعًا من دم، عندما ظنّ أنّ مخطوطته فُقدت في الزنزانة. وينتهي فيلم "سالو" بمشهد رقص بائس على أنغام الموسيقى والتعذيب المستمر، في حين يعتبر السبب الأساسي في مقتل بازوليني الوحشيّ على يد السلطة. أما فصول إبستين، فلا يبدو أنها ستنتهي بـ"عدالة مطلقة"، اذ وُجِد المجرم المُدبّر مُنتحرًا في السجن تحت غموض تعطّل الكاميرات. فهل يلقى المتورّطون الباقون حتفهم بالشكل نفسه، أم ستكون نهايتهم "منتصرةً" كما الكتاب، والفيلم، والجزيرة؟

سارة الدنف
سارة الدنف
طالبة لبنانية في جامعة السوربون بباريس. صدر لها كتابان، أحدهما بالعربية والثاني بالفرنسية، ونشرت عدداً من المقالات.

مدونات أخرى