مشاعرنا الملتبسة
أحيانًا تفاجئنا بعض المشاعر المُربِكة التي لا نعرف من أين خرجت علينا، ولا أين كانت مختبئة قبل أن تُرينا وجهها القبيح. مشاعر من النوع الشيطاني أو الفاحش التي نعتقد أننا محصّنون ضدها. تخرج فجأة إلى العلن، فلا نعرف كيف نتعامل معها: أنكبتها هي الأخرى ونرميها في سلة المهملات مع ما ينتج عن هذا من عُقد نفسية مزمنة، أم على العكس من ذلك، نتعهّدها كمراهق يحتاج إلى الرعاية والتفهّم، إلى أن تمرّ العاصفة المشاعرية التي تجتاحنا فجأة؟ لكن صوتًا عميقًا، يرتفع معترضًا بحدّة على هذه المساومات غير المقبولة، محذّرًا: إنها مشاعر مُخجِلة وظهورها إلى العلن فضيحة مدوّية قد تؤذي مكانتنا الاجتماعية، خاصة أننا نعيش في مجتمع يدّعي أفراده المحافظة على الصلاح والفضيلة.
المجتمعات الفردانية مثل المجتمعات الغربية تصالحت مع الكثير من مثل هذه المشاعر السرّية وسمحت لها بمساحة للظهور إلى العلن. الأكيد، أن هذا لم يتمّ بين عشية وضحاها، بل احتاج إلى سنوات وسنوات، قبل أن تمّ القبول بها، وما زالت هناك مقاومة محدودة لهذه السلوكات. المهم في كل هذا، أن التحوّلات القيمية والأخلاقية في المجتمعات الغربية تمّت بشكل متدرّج، واستندت إلى قاعدة معرفية متينة وتطوّرات سياسية وثقافية واقتصادية احتضنتها وأنتجت لها الظروف الملائمة حتى لا تؤثّر سلبًا على المجتمع.
أما عندنا، فمن جهة، ما زالت مثل هذه المشاعر تراوح مكانها بين من أصبح يتقبّلها على مضض وآخر يمُجّها. ومن جهة أخرى تشتغل هذه الظواهر خارج أي تأطير معرفي أو علمي. الجديد، أو الخطير على وجه التحديد، في كل هذا، أن وسائط التواصل الاجتماعي وما أتاحته من إمكانيات النشر والانتشار، سمحت لشريحة واسعة من المواطنين بالتعبير عن آراء هي في الأصل مشاعر مكبوتة، أو يأتون بأفعال خارجة عن المواضعات المجتمعية، مدفوعين بالرغبة في الشهرة أو لمراكمة المال.
إن السيولة السلوكية التي تعرفها وسائط التواصل الاجتماعي واحتضانها لكل ما هو شاذّ عن الذوق العام المعترف به مجتمعيًّا، يدعونا إلى الانتباه إلى هذه الظواهر وتسليط أضواء العلم الكاشفة عليها خاصة علمَي الاجتماع والنفس، القادرَين على التفكير والتفكيك، من أجل تحصين المجتمع من عواقبها الوخيمة، بإعطاء مقترحات مناسبة تؤطّرها بالشكل الأمثل، بعيدًا عن منطقَي المنع أو التجاهل.