من حكايات حارتنا: بين خطيب الجمعة وترامب وأم الحارة
عبد الحفيظ العمري
حارتنا واحدة من حارات الدنيا الضيقة، التي لا تنتهي حكاياتها ولن تنتهي.
وهنا أدوّن بعضاً من تلك الحكايات.
(1): حكاية خطيب الجمعة
خطبة الجمعة، وما أدراك ما خطبة الجمعة! إنها الزاد الأسبوعي الذي من المفترض أن نتزوّد به في نهاية الأسبوع حول أمور دنيانا وديننا.
أما خطيب الجمعة، فالمفترض أنه مطلع على أحوال الحارة، وما دار فيها خلال الأسبوع من أحداث، أو لنقل ما يهم أهل الحارة من أمور، حتى تكون الخطبة موعظة وإرشاداً حول ذلك.
كما أن الخطبة لا تقتصر على أمور الدين فقط، بل تشمل كذلك أمور الدنيا، وهذا ما أفهمه عن خطبة الجمعة.
لكن لو تساءلنا: كيف هي خُطب الجمعة في حارتنا العتيقة؟
هناك خطباء كثر يتداولون على منبر الجمعة في جامع الحارة الكبير، وكل خطيب له طابعه الخاص؛ فمنهم من يطيل في الخطبة حتى يمل الناس مما يقول، هذا إن سلمنا أن الناس أصلاً تستمع لما يقوله! فالناس في حارتنا، مثل كثير من مسلمي هذا الزمان، صارت صلاة الجمعة لديهم مجرد روتين، يحضرونه فقط لإسقاط الفرض عن كاهلهم، فتجدهم يأتون قبل إقامة الصلاة بدقائق.
لكن أعجب هؤلاء الخطباء هو ذاك الذي كان يعيد على مسامع المصلين الخطبة نفسها في كل جمعة، حتى يصدق عليه المثل الشعبي: "الخطبة.. الخطبة، والجمعة.. الجمعة!"
وقصة هذا المثل أن خطيباً كان يعيد الخطبة نفسها كل جمعة، وكان له "دّجْلَة" (أي الجُبّة بالعامية اليمنية) يلبسها كل أسبوع، وهي تشبه "دَجْلَة" ابنه. وذات جمعة ارتدى عن طريق الخطأ دَجْلَة ابنه، وعند بدء الخطبة شرع يفتش في جيوبها عن الورقة التي دون فيها خطبته المعتادة، لكنه لم يجدها. فأدرك أنه ارتدى جبة ابنه الذي كان جالساً في الصف الأول أمامه، فقال مغتاظاً: "أيها الناس، الخطبة.. الخطبة، والجمعة.. الجمعة، وعاق والديه.. عاق والديه، أقم الصلاة!"
لا يذهبنّ بك الخيال، عزيزي القارئ، إلى أني سأروي حكاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا.. بل حكاية "ترامب" حارتنا!
(2): حكاية ترامب
لا يذهبنّ بك الخيال، عزيزي القارئ، إلى أني سأروي حكاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا.. بل حكاية "ترامب" حارتنا!
بعض الظرفاء من أهل الحارة مولعون بأسماء الرؤساء الأميركيين، إلى درجة أنهم يطلقون أسماءهم على بعض أهلها على سبيل الممازحة.
فعامل النظافة الشاب محمود، لأنه أسمر البشرة، أطلقوا عليه اسم "أوباما" تيمنًا بالرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.
وقاسم الموظف في هيئة البريد، المشهور بمغامراته العاطفية، صار اسمه "كلينتون".
وجارنا اللطيف عصام، ذو العينين الزرقاوين، صار يُدعى "بوش" (من غير تحديد: الأب أم الابن، ولا يهم!). وهكذا دواليك.
أما لقب "ترامب"، فقد كان من نصيب صديقي السمين عبد الله، أحد رجال المرور في الحارة. لكنه لم يكتفِ بالاسم، بل تقمص الدور بحذافيره؛ فصبغ شعره باللون البرتقالي، وصار يرتدي بدلة وربطة عنق حمراء، والأعجب أنه صار يتعامل مع أهل الحارة وكأنه دونالد ترامب ذاته!
كل يوم يخرج بقرارات عجيبة يعرضها على أصدقائه في مقهى الحارة العتيق، حتى شك طبيبنا النفسي صالح أنه ربما أصيب بحالة فصام أو شيزوفرينيا، فنادى بوقف هذه الممازحة مع "الموهومين"، على حدّ تعبيره.
فكرتُ في هذه الظاهرة التي اجتاحت حارتنا، وراودتني تساؤلات: لماذا استخدم الظرفاء أسماء الرؤساء الأميركيين بالذات؟ ولماذا قبل بعض أهل الحارة أن تُلصق بهم هذه الأسماء حتى كدنا ننسى أسماءهم الأصلية؟
وأخيراً، ترى كيف ستكون ردة فعل أولئك الرؤساء الأميركيين لو علموا بالأمر؟!
(3): حكاية أم الحارة
ربما تكون هذه أول مرة أذكر فيها سيرة امرأة في حكايات الحارة، لكنها ليست امرأة عادية، بل تستحق الذكر.
إنها السيدة "قبول"، زوجة عاقل الحارة الراحل، الذي انتقل إلى رحمة الله قبل عام. ومع ذلك، ظل بيتها مفتوحاً لكل جائع أو محتاج أو عابر سبيل في الحارة.
صحيح أن أهل الحارة اختاروا عاقلاً جديداً بعد رحيل زوجها، لكنهم لا يزالون يتوجهون إلى دارها يلتمسون منها النصح والمشورة عند كل ملمة. والأعجب أن العاقل الجديد نفسه كان أول الطارقين بابها!
يعلم معظم أهل الحارة أن السيدة "قبول" كانت تشارك زوجها في كل التدابير التي تسير شؤون الحارة، لذا يرونها المرجع الأول لاستمرار تلك السياسات التي صانت الحارة في الأزمات.
وفوق ذلك، فإن كرمها لم ينقطع حتى اليوم، حتى لقّبها الناس بـ"أم الحارة".
وتستمر الحكايات...