استلهام التراث الجزائري في "أعلام الصوفية" لرشيد قريشي
استمع إلى الملخص
- المعرض يضم ثلاثين عملاً محفوراً بتقنية الليثوغراف، ويحتفي بسبعة من أبرز المتصوفة، مثل محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي، مع استخدام ألوان تحمل دلالات روحية.
- قريشي يقدم قراءة جديدة للنصوص الصوفية، محولاً المعرض إلى رحلة رمزية تمثل التجربة الإنسانية، مما يسهم في توسيع فهم التصوف كقيمة إنسانية عامة.
ليس جديداً على رشيد قريشي أن يعود إلى المتصوّفة، فالخطّاط الذي وُلد عام 1947 في عين البيضاء، ونشأ في بيئة مشبعة بالمخطوطات والتراث الشفهي، عرف منذ وقت مبكر أنّ الفن بالنسبة إليه ليس مجرد مهارة تقنية أو لعب جمالي. لقد بدا كأنه يسير في طريق روحي طويل، يشبه ما وصفه هو نفسه ذات مرة بأنه "صلاة طويلة تمتدّ مدى الحياة". لذلك، حين يقدّم معرضاً عن أعلام الصوفية، فهو لا يستعيد الماضي بوصفه مادة جاهزة، بل يفتح نافذة على عالم داخلي قائم على التوق والبحث والتأويل.
هكذا افتُتح في رواق "سين آرت غاليري" بالجزائر العاصمة معرض "أعلام الصوفية" للفنان التشكيلي والخطاط الجزائري رشيد قريشي، في عودة جديدة إلى ذلك العالم الذي ظلّ يرافق تجربته منذ بداياته؛ عالم الإشارات والحروف والرموز والأسرار التي تتجاوز حدود الصورة إلى ما يُشبه المناجاة.
المعرض، الذي يستمر حتى الحادي والثلاثين من الشهر الجاري، يضم ثلاثين عملاً محفوراً بتقنية الليثوغراف، اختيرت من مجموعة واسعة لدى الفنان، ويحتفي بسبعة من أبرز المتصوّفة في العالم العربي والإسلامي، مثل محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي ورابعة العدوية وعبد القادر الجيلاني وفريد الدين العطار وغيرهم.
يعيد المعرض قراءة التراث الصوفي كلغة بصرية معاصرة
ليس المقصود في هذا المعرض استحضار سير المتصوفة أو تقديمهم كرموز دينية، فالخيار الذي يتبنّاه قريشي في أعماله الأخيرة يقوم على تحويل السيرة الروحية إلى شكل بصري، لا سيرة مكتوبة. الخط هنا لا يأتي بوظيفته التقليدية، يتخفّف من قواعده الصارمة ويتحوّل إلى حركة خفيفة وإشارة ونَفَس بصري. يظهر الخطّ أحياناً كنبض إيقاعي داخل اللوحة، وأحياناً كحقل من العلامات القديمة التي تتقاطع فيها الحروف العربية مع رموز أمازيغية وطوارقية وبربرية، في محاولة لصياغة لغة بصرية مشتركة تتجاوز الحدود الدينية والجغرافية.
بهذا المعنى، يبدو أنّ أعلام الصوفية معرض عن الإنسان قبل أن يكون عن المتصوّفة أنفسهم. فهؤلاء الذين اختارهم الفنان ليسوا شخصيات تاريخية بقدر ما هم نماذج إنسانية عبّرت عبر الزمن عن قيم واضحة، مثل التسامح والحكمة والتأمّل والإصغاء لما وراء الحقائق الظاهرة. لذلك، لا تظهر وجوههم ولا سيرهم ولا أزياؤهم، بل تحضر أرواحهم عبر العلامات التي يحفرها الفنان على الورق، في حوار صامت بين النص واللون والرمز.
اختار قريشي تقنية الليثوغراف، أو الطباعة الحجرية، لتقديم هذه المجموعة. وهي تقنية تُشبه في طبيعتها الحفر المرتبط بالذاكرة. هي خطوط تُنقش على سطح صلب، كأنها تستخرج ما هو مدفون في العمق. التقنية هنا تمنح العمل بعداً إضافياً، فهي ليست ضربات فرشاة، بل آثار محفورة تكاد تشير إلى أثر اليد وإلى صمت طويل يسبق الكتابة.
الأعمال المعروضة تبدو كأنها صفحات من مخطوط قديم، لكنه مخطوط غير مكتمل أو لا يريد أن يكتمل. خطوط متشابكة ورموز صغيرة ومربعات هندسية وزخارف دقيقة، ونقاط تتوزّع كأنها تنقاد إلى إيقاع خفي. كل هذا يحيل إلى فكرة المتاهة، وهي فكرة صوفية بامتياز، تُشبه الدخول والخروج والضياع والهداية والبحث عن المعنى وسط أسئلة لا نهائية.
رحلة تمر عبر سبع محطات رمزية، وكل محطة تحمل قيمة إنسانية
تعتمد لوحات هذا المعرض على درجات لونية هادئة، لكنها شديدة الحساسية، مثل الأزرق النيلي والبني المحروق والأخضر العميق والأحمر القاني. هذه الألوان ليست مصادفة. فالأزرق يرتبط لدى قريشي بالسماء، بالعالم المتعالي الذي يشكّل أحد محاور تجربته منذ مجموعته الشهيرة "طريق الورود". أما الأخضر والبني فيبعثان إحساساً بالانغراس في الأرض وبالسكون وبطبقات الزمن. اللون هنا ليس وظيفة زخرفية، هو حامل لحالة روحية تكاد تضع المتلقّي في مساحة تأملية، بين الأرض والسماء، وبين الداخل والخارج.
ما يحسب لقريشي في هذا المعرض أنه لا يقع في استسهال استدعاء الشخصيات التراثية لمجرد إضفاء طابع شرقي أو روحي على العمل. فالفنان الذي يصرّ على كونه فنّاناً معاصراً قبل أي تصنيف آخر، يقدّم قراءة جديدة للنصوص الصوفية من داخل الفن نفسه. النص هنا ليس نصاً دينياً، هو جزء من نسيج بصري يُشارك في بناء المعنى مثل اللون والشكل. وهذا جزء من رغبته القديمة في تحويل الحرف إلى كائن بصري مستقل، لا إلى حامل لغوي فقط.
إن اختيار سبعة من المتصوّفة ليس اعتباطاً أيضاً، فالسبعة رقم ذو دلالة روحية في العديد من التقاليد، ومن بينها التصوّف الإسلامي، حيث يرد في أدبياته ذكر المقامات والسماوات والطبقات الروحية التي تتخذ الرقم سبعة رمزاً لحركة الارتقاء. بهذا المعنى، يتحوّل المعرض إلى رحلة عبر سبع محطات رمزية، كل محطة منها تمثل جانباً من التجربة الإنسانية، كالحب والمعرفة والفناء والحكمة والمكاشفة والعزلة والانعتاق.
يبدو واضحاً في هذا المعرض أن قريشي لا يقدّم عملاً تراثياً، بل يعيد قراءة التراث بعين فنان يعيش في الراهن. تجربته ممتدة في مؤسسات عالمية ومعارض دولية، غير أنه يعود دائماً إلى الحرف والخط والذاكرة، وإلى ذلك الخيط الرفيع الذي يصل الفن بالروح. لهذا، تبدو أعماله دائماً عند نقطة تماس بين ما هو قديم وما هو جديد، بين الرموز المتوارثة والحسّ الجمالي المعاصر.
ولعل هذا التوازن يمنح معرضه الحالي خصوصيته. فالمعرض ليس دعوةً إلى الانغلاق في الماضي، هو دعوة إلى معنى أوسع للروحانية، معنى يمكن أن يتجلّى في لوحة أو لون، في حركة خط أو في صمت يتسلّل بين أعمال الحفر. وربما هنا تكمن قيمة قريشي، أن يجعل التصوّف قابلاً للقراءة اليوم، وأن يستعيد فكرة الجمال بوصفها قيمة إنسانية تجمع القارئ بالمشهد البصري في مستوى واحد من التأمل.
لا يقتصر حضور تجربة رشيد قريشي على سياقها الجزائري أو العربي فقط، فالرجل واحد من الفنانين القلائل الذين استطاعوا نقل الحساسية الصوفية إلى فضاءات عالمية من دون الوقوع في فخّ الفولكلور أو الـ "exoticism" الذي عادةً ما يلاحق الفنون القادمة من الشرق. فقد عُرضت أعماله في متاحف ومؤسسات دولية كبرى، من باريس إلى لندن ونيويورك، حيث يُستقبل مشروعه بوصفه محاولة جادة لتقديم لغة فنية تتكئ على الذاكرة المحلية لكنها تتوجّه إلى المتلقي أينما كان.
هذا الامتداد العابر للثقافات يسهم أيضاً في توسيع فهم التصوّف خارج الدائرة الدينية الضيقة، بحيث تبدو الأعمال وكأنها تقترح صياغة مختلفة للروحانية: صياغة إنسانية عامّة لا تحتاج إلى معرفة مسبقة بالنصوص التراثية. بهذه الطريقة، ينجح قريشي في بناء جسر بصري بين جغرافيا متعددة، مستنداً إلى الحرف باعتباره علامة أولى وأصلية، يمكن قراءتها بلغات عدة، وبحساسية مشتركة تتجاوز الحدود.