"الغرب: تاريخ جديد لفكرة قديمة" وتفكيك هيمنة البيض
استمع إلى الملخص
- الكتاب يعتمد على وقائع وأدلة تاريخية لتوضيح أن مفهوم "الغرب" ليس نتاجاً حصرياً للثقافة الأوروبية البيضاء، بل هو نتيجة تفاعل ثقافي متعدد الأصول، مما يقوض السردية التقليدية للحضارة الغربية.
- يسعى الكتاب إلى تفكيك أنظمة التمييز العرقي والجنسي والطبقي، ويبرز التنوع الثقافي في العصور القديمة، مشيراً إلى أن الهوية هي بناء اجتماعي وثقافي.
بدءاً من فكرة مفادها أن كل تاريخ هو تاريخ سياسي، يبحث كتاب نيشا ماك سويني "الغرب: تاريخ جديد لفكرة قديمة" (دار تكوين، 2025) بترجمة إيمان معروف؛ في السردية الكبرى التي تقول إن شعوب أوروبا الغربية، هم الورثة الأساسيون للعصور القديمة الكلاسيكية، وتفكك الباحثة هذه السردية، من خلال استعادة أربع عشرة شخصية تاريخية، تمثل كلّ منها روح عصرها، مثل العالم العربي الكِندي، وفيليس ويتلي وهي أول شاعرة أميركية من أصول أفريقية.
وتشير عالمة الآثار والمؤرخة البريطانية إلى أنّ شكل التاريخ يختلف مع اختلاف زاوية النظر إليه، لكنها تعتمد في كتابها على وقائع وأدلة؛ بدءاً من القرن الخامس قبل الميلاد، فأصول "الغرب" الذي تنسب حضارته إلى العالم الإغريقي القديم لا تعود به إلى عالم هيرودوت وهوميروس، إنما تعود بالغرب إلى الرؤية السياسية للعالم الإغريقي، التي روّج لها سياسيو أثينا، بهدف تبرير التوسع الإمبراطوري، وهي رؤية كانت تقسم البشرية إلى "نحن"، و"هم".
توظف الباحثة الأساليب التحليلية لدراسة الهويات والأصول في العصور القديمة، في دراسة العالم الحديث. على اعتبار أن إعادة التفكير في "الغرب"، على نحو جذري، بالإجابة عن سؤال "من أين أتى الغرب؟" يمكن أن تقود إلى إجابة عن سؤال آخر، وهو "ما الذي ينبغي أن يكون عليه الغرب؟"، إذ تُقوّض الباحثة مفهوم "حضارة الغرب"، مع ما ينطوي عليه هذا المفهوم، من اعتبار الحضارة الغربية سليلة نسب ثقافي أوروبي محض، أبيض عرقياً، ومنحدر من اليونان وروما القديمتين، من دون أي "تلوث" من ثقافات "أدنى". وتعرض هذا في إشكاليتين، وهما أنّ السردية الكبرى للحضارة الغربية سردية "خاطئة" من الناحية الواقعية، فالغرب الحديث لا يمتلك أصلاً واضحاً وبسيطاً في العصور الكلاسيكية القديمة، ولم يتطور من خلال سلسلة متصلة ومنفردة تمتد من العصور القديمة عبر المسيحية في العصور الوسطى، وعصر النهضة والتنوير، وصولاً إلى الحداثة. كما تظهر الكشوفات الأثرية أن التفاعل المتبادل بين الثقافات الغربية وغير الغربية، حدث عبر التاريخ البشري بأكمله، والغرب الحديث يدين بجزء كبير من إرثه الثقافي لأسلاف غير أوروبيين وغير بيض.
الغرب يدين بجزء كبير من إرثه الثقافي لأسلاف غير بيض
لكن الإشكالية الأساسية أن هذه السردية بقيت سائدة، مع ضعفها في الجانب العلمي، لأنّ ترسيخها حدث بسبب فائدتها الأيديولوجية. ولأنها تؤدي غرضاً بعينه. وتمثل إطاراً مفاهيمياً، يعطي تبريراً للتوسع الغربي، كما تدعم استمرار أنظمة الهيمنة العرقية البيضاء.
عبر تفكيك السردية السائدة عن أصل الغرب، فإن الكتاب الذي يقع في 424 صفحة، يسعى إلى تفكيك أنظمة التمييز العرقي والجنسي والطبقي، وغيرها من أشكال التمييز، ويكشف التنوع الذي اتسمت به العصور القديمة، بالطريقة التي رآها هيرودوت، أن أدق السبل لدراسة العالم القديم، هي احتضانه بكل تنوعه. أو بالصورة التي يعرض فيها إدوارد سعيد الهويات، باعتبارها بناءً اجتماعياً وثقافياً، وليست معطيات طبيعية أو فطرية.