باسم خندقجي.. الروائي خارج الأسر

19 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 20 نوفمبر 2025 - 10:21 (توقيت القدس)
باسم خندقحي في مكتبة تنمية بالقاهرة (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أُطلق سراح الروائي الفلسطيني باسم خندقجي بعد أكثر من عقدين في الأسر، حيث استخدم الكتابة كوسيلة للمقاومة واستعادة الهوية، محولاً السجن إلى منصة ثقافية من خلال أعماله الأدبية مثل "قناع بلون السماء".
- بعد الإفراج عنه، استقر في القاهرة، حيث يواجه تحديات المنفى، لكنه يرى في مصر دعماً ثقافياً. خلال سجنه، عانى من سياسات الإبادة النفسية والجسدية، واستغل الكتابة لتوثيق تجارب الاعتقال ومقاومة السجن.
- فوزه بجائزة البوكر كان انتصاراً لشعبه، ويخطط لمشاريع أدبية وثقافية، بما في ذلك تطوير "أدب الاشتباك" بالتعاون مع مثقفين فلسطينيين وعرب لمناهضة العنصرية في الخطاب الصهيوني.

"الروائي الأسير"، هذا وصفه إلى غاية عام 2024، حينها صار "الروائي الأسير الفائز بالبوكر". الآن بعد تحقق ما كان بعيداً وهو الحرية، لن يحمل صفة "الأسير" بل سيصبح الكاتب الفلسطيني. رحلة طويلة وشاقة قضاها باسم خندقجي، المسكون بهويته. حتى في السجن لم تكن الحرية هاجسه، بل الهوية. وعندما كتَب "قناع بلون السماء" حوّل تقمّص نور الفلسطيني لشخصية أور الإسرائيلي إلى معركة حول الهوية، بدلاً من أن تكون معركة للاختراق والاستكشاف. صحيح أن البطل بدأ باحثاً من مادة تاريخية لرواية عن مريم المجدليّة، لكن هاجس رحلته كان التمسك بهويته، سعياً لإثبات أن الأرض أرضه وأنه ابن الأرض، لا أحد آخر. حتى وهو متقمّص لشخصية عدوّه، ظل يحاول إقناع نفسه بذلك، بأنّه هو الفلسطيني لا غير، بينما لم يجد صعوبة في إقناع الإسرائيليين بهويته الإسرائيلية. الهوية  ستصبح الهاجس الوجودي الأوّل للفلسطيني، والانشغال الإبداعي والإنساني لباسم.

ولد خندَقجي عام 1983 في نابلس، ودرس الصحافة والإعلام في جامعة النجاح الوطنية. اعتُقِل وأرسل في رحلة طويلة إلى كوابيس السجون الإسرائيلية، في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2004، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة. أُفرج عنه منذ شهر ضمن موجة الأسرى المفرج عنهم في عملية تبادل الأسرى الأخيرة. أصدر في سجنه مجموعتين شعريتين، وعدة روايات منها: ثلاثية المرايا: "قناع بلون السماء" (2023)، و"سادن المحرقة" (2025)، بينما يصدر الجزء الثالث قريباً بعنوان "شياطين مريم الجليلية".


■■■


بعد أكثر من عقدين من الأسر، والإقامة بين جدران السجن الضيقة، وجدتَ نفسك في القاهرة الممتلئة بالحياة والضجيج، هل استطعت العثور على إيقاعك في واقع مختلف تماماً؟

أقرّ بأن الواقع الجديد الذي أعيش فيه الآن مليء بالتحدي. حتى أنني أشعر في بعض اللحظات بأن حياة الأسر أخفّ وطأة، وأقل حدّة من تحديات الواقع الخارجي، بأحداثه والمجريات المتسارعة فيه. خاصة في عالم المنفى الذي لم أكن جاهزاً له، وللإبعاد عن الوطن، مثل العديد من الأسرى. ولكن بصورة عامة، أعتقد أن من نجا من سياسات الموت، والقتل داخل السجون الصهيونية، باستطاعته أن ينجو أيضاً من تعقيدات الحياة في عالم الحرّية.

وجودي في القاهرة لربما يخفّف قليلاً من وطأة الغربة، ومن بردها. فمصر والقاهرة هما نبض العروبة، والشعب المصري كان رائعاً وداعماً، احتضننا بكل هذا الدفء. أيضاً أنا مقبل على واقع أدبي وثقافي، ومصر لها تاريخ في ذلك، فنحن نشأنا بصورة أو بأخرى كأدباء أو كمثقفين، على الأدب المصري وعلى الثقافة التي أُنتجت في مصر.


تابعتَ حرب الإبادة من خلف القضبان... كيف مرّ عاما الإبادة على الأسرى؟ وما هي أقسى لحظاتها عليك؟

كنا جزءاً من الإبادة أيضاً، حيث عشنا في العامين الأخيرين، وما زال الأسرى يعيشون حتى هذه اللحظات، حرب إبادة حقيقية؛ إبادة لعمر الأسير وإبادة أيضاً لنفسيته وممارسة ممنهجة لطرق تفكيك إنسانيته. إضافة إلى السياسات التعسّفية التي مارسها ضدنا السجّان الصهيوني، ومنها سياسة العزل، لمنع الأسير من معرفة ما يجري حوله في العالم، وتحديداً في غزّة. كنا نتلقف ونقتفي الأخبار المتعلقة بغزّة، من هنا وهناك. ولم تكن لنا صورة واضحة عما يجري. 

الكتابة داخل المعتقل فعل حرية وفعل إرادة وفعل مقاومة

كنتُ في سجنٍ محاط بقواعد لسّلاح الجو الصهيوني، وكان الكثير من الطلعات الجوية يجري من تلك المنطقة. كنت عندما أسمع صوت ودويّ الطائرات وهي تقلع، كنت أشعر بالحزن والغضب الشديدين، لأنّ تلك الطائرات كانت في طريقها لتصب جحيم الإبادة الجماعية على غزّة. وكُنت أشعر بلحظة من الأمان اللّحظي لأن هذه الطائرات لم تقصفني أنا الآن، ولكنها ستقوم بقصف شعبي.

هناك لحظات قاسية لا يمكن نسيانها، ولكن ما كان يواسيني خلال سياسات الجوع التي كان يمارسها ضدنا السجّان، أن شعور الجوع الشديد يرافقه الارتياح، لأنّ معدتي الخاوية تتضامن الآن مع الجياع في غزّة، وكان هذا يواسيني قليلاً.


هل ساهمت الكتابة في التّنفيس عن جدران السجن؟

داخل المعتقل لم أفكر في كتابة تجربة أدب السجون لأنه أدب ينهمك في كتابة وتوثيق وتمثيل الحالة الاعتقالية داخل السجون، وتوثيق تجارب الاعتقال ومقاومة السجن أيضاً. بالإضافة إلى تسجيل المعاناة. بدلاً من ذلك، أحلتُ السجن إلى منصة وإلى موقع ثقافي أطل منه على العالم، وفي نفس الوقت أحاول قدر الإمكان استعادة إنسانيتي. نجحت في ذلك، مما ساهم في جعله عاملاً مساعداً على استعادة هويتي. خاصة بعدما قررت البدء بمشروع أدبي جديد هو أدب الاشتباك الذي ينطلق من تساؤل معين. هذا التساؤل هو كيف نكتب أدباً ضد الاستعمار في واقع استعماري؟ كيف نقرأ هذه الحالة الكولونيالية في فلسطين؟ ومن هنا أحاول قدر الإمكان من خلال هذا المشروع استعادة الملامح الإنسانية الجمعية للشعب الفلسطيني.


هل الكتابة بالنّسبة لك توثيق لتجربة الاعتقال أو مقاومة للسجن واستعادة للسيطرة؟

الكتابة داخل المعتقل فعل حرية، وفعل إرادة، وفعل مقاومة وفعل صمود أيضاً. وبعدما قررتُ منذ بدايات اعتقالي أن أخوض عملية الكتابة، وأقول عملية لأنها عملية مقاومة حقيقية، هي عملية مقاومة أدبية تجري ضمن الجبهة الثقافية التي يجب أن نحافظ عليها بصفتنا فلسطينيين وأدباء ومثقفين. ومن هنا جاءت تجربة الكتابة في السجن، لكي تكون ممارسة ثورية واعية تجمع بين النّظري والعملي. بحيث تغدو الكلمة حصناً، ويغدو الكتاب بشكل عام منارة، ويغدو أيضاً درعاً تحميني من هجمات السجّان وتقودني إلى الحرية المشتهاة. هناك حرية مشتهاة أثناء لحظة الكتابة. هذه الحرية كانت تتحقّق مجازاً بالطبع، من خلال الكتابة. فعندما كنت أكتب كانت جدران الزّنزانة تختفي، وأحلّق في أفقها إلى أن أعود إلى المعتقل. وستكون جريدتكم مسرح هذه التجربة التي سألتقي قرّاءها أسبوعياً.


هل تُخطط أو تفكر في الكتابة عن تجربة السّجن لاحقاً؟

أثناء مكوثي في المعتقل، لم أتوجّه نحو كتابة السجن، لأنني لم أكن قادراً على توفير تلك المسافة النقدية بيني وبين المعتقل لكي أكتبه. أما اليوم فالموضوع يختلف قليلاً، وأنا بصدد الكتابة عن السّجن من مقاربة تختلف إلى حد ما عن نمطية أدب السجون، وسأوثّق تجربة العامين الأخيرين في المعتقل تحديداً.


ما نوعية الكتب التي كنت تقرؤها في الأسر؟ وهل كان متاحاً لك الاختيار؟ 

كانت كتباً تاريخية بالغالب، كتباً تتعلق بالعلوم الإنسانية، وعلم الاجتماع، وبدرجة أساسية الكتب ذات الطابع الفلسفي. آخر كتاب أعدتُ قراءته للمرة الرابعة أو الخامسة، كان خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب. حيث سحبت مصلحة السجون الصهيونية كل منجزاتنا، بما فيها الكتب والدفاتر والأقلام، وحرمتنا من كل الظروف التي يمكن من خلالها أن نحافظ على إنسانيتنا. مع ذلك، تمكنتُ من تهريب بعض الكتب، منها الكتاب الأخير الذي قرأته في المعتقل. وكان كتاب المفكر عزمي بشارة "الدين والدولة العلمانية في سياق تاريخي". كنت أقرؤه سراً، وأُخفيه داخل البطانية إذا دخل السجّانون، إلى أن اكتشفوه، واقتحموا الزنزانة وصادروه، وضربوني بعنف جزاء ذلك. في تلك اللحظة شعرت بفخر واعتزاز لأن هذا السجّان الصهيوني حين صادر الكتاب أقرّ بخوفه من تسليح عقلي، كما أن كتاب عزمي بشارة يستحق العناء والمخاطرة.


فكرة إخراج العمل الأدبي من المعتقل بالنسبة للأسير مخاطرة كبيرة. سمعت عن أسرى يُملون كتبهم عبر الهواتف المسرّبة، وآخرون يهربونها أوراقاً بالتدريج مع زوارهم... كيف كنتَ تنجز العملية؟

عملية إخراج المواد الكتابية من السجن معقّدة جداً، تُشبه إلى حد ما لحظة الكتابة، إذا كان هناك تحدّيات أثناء الكتابة، فهناك أيضاً تحدّيات أكبر وأعقد في عملية إخراج هذه المواد. هناك العديد من الأساليب التي كنا نعتمدها من أجل إخراج كتبنا. منها؛ الكباسيل التي يبلعها الأسير المحرّر أو المفرج عنه، وتسجيل مقاطع صوتية على الهواتف المهربة، وطرق أخرى لا يمكن أن نتحدث عنها، لأن أسرى آخرين ما زالوا داخل السجون ويستخدمونها.

بصدد الكتابة عن السجن من مقاربة تختلف عن نمطية أدب السجون

تصبح لحظة الكتابة في هذا الجانب عملية ملاحقَة خطِرة وهي في الوقت نفسه ممتعة ولذيذة، لأن الكاتب يعيش خطر الكتابة التي تبقى خاضعة لشروط الكتابة الإبداعية بغض النظر أين كانت تجري. وفي السجن، ونحن نكتب نعلم تماماً أن ثمّة سجّاناً قد ينقض علينا في أي لحظة، ويُصادر هذه الكلمات، وبالتالي تصبح الكتابة عملية مكثفة ومركزة ومرهقة، ولكنها بالنهاية ناجحة عندما يتم تحريرها إلى الخارج.


تطرقت إلى أدب الاشتباك، وهو الذي ينتقل من مستوى أدبي معين إلى مستوى آخر. حسب رأيك، ما أهميته، مقارنة بغيره من الآداب، بالنسبة للكاتب الفلسطيني؟ وكيف يمكن للأدب أن يخوض معارك الهويات والحرية من دون الوقوع في الخطابات المباشرة؟

منذ عملية أوسلو، لا يوجد هناك أدب مقاومة فلسطيني بالمعنى المباشر، كما كان موجوداً بعد نكسة يونيو/ حزيران 1967. والحديث عن أدب الاشتباك اليوم هو حديث عن أدب مغاير يتعلق في الأساس بتساؤل كيف نكتب أدباً ضد استعماري داخل السياق الاستعماري؟ هذا يعني أننا بحاجة إلى تغيير الصّورة النمطية التي كانت حاضرة للآخر؛ الصهيوني، في الأدب الفلسطيني. بمعنى أننا بحاجة إلى اختراق الأدب الصهيوني لكي نسلط الضوء على أبعادٍ كانت غائبة عن الأدب الفلسطيني، وهذا لا يتحقق إلا من خلال إقامة السّياق، فهو المهم وهو الضروري، وهو سياق استعماري، بأن نثبت ونقنع أنفسنا بداية بأن ما يجري على الأرض هو حالة استعمارية بامتياز، إذ نعاني في فلسطين من الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني، وهي حالة استعمارية هجينة لم تحدث في التجارب الاستعمارية السابقة. وعند إثبات الواقع الاستعماري، نعتمد على مفردات ولغة جديدة وخطاب أدبي وثقافي جديد. هذا الخطاب الأدبي والثقافي الجديد يضع الصّهيونية في مأزق أخلاقي ويعيد للفلسطيني ملامحه وهويته التاريخية والثقافية والأدبية، التي يستطيع من خلالها تأسيس الموقع الثقافي الذي يطل منه على العالم أيضاً.


المرأة في ختام رواية "قناع بلون السماء" ستكون هوّية نور الذي فقد كل شيء، لكنه وجد في المرأة وطناً... أجد شخصياً هذا اللقاء بين المجدلية والفتاة الفلسطينية المعتدّة بهويتها حملاً ثقيلاً على المرأة، التي يُعتقد أنها أقل حيرة من الرجل، وبالتالي تتم إعادة تدوير مأساتها التاريخية، وهي أمومتها... هنا تلتقي سماء ومريم باعتبارهما أمّين تقطران حناناً للرجل المرفوض، في شخصية النبي المضطهد يسوع، والرجل اللاجئ في وطنه نور، هل استحضرت -أمومتهما- عمداً كبلسم للرجلين؟

حضور المرأة بالرواية ليس حضورا أنثوياً وإنما هو تأنيث للنص. السّردية إن لم تؤنث لا يمكن أن تكون سردية تاريخية، والتأنيث بهذا المعنى يعني الرّحابة واحتمال تعدّد الأصوات، وغالباً في رواياتي ثمة بعد أنثوي واضح. لا أخفيكِ سراً أن الجزء الثالث سيكون بعنوان فراشات "مريم الجليلية"، وهو نص أنثوي بامتياز أحاول من خلاله توضيح الأبعاد العامة لوجود شخصية سماء إسماعيل المتواضع في الجزء الأول. مع أن الشخصية التي ستحضر في الجزء الثالث ليست نفسها سماء إسماعيل. فحضور سماء إسماعيل في الجزء الأول هو حضور الهوية الفلسطينية، وليس حضور المرأة الفلسطينية فحسب. وبحثي عن مريم المجدلية من خلال نور هو بحث تاريخي بامتياز ومحاولة لاستعادة مريم المجدليّة من الغرب.

باسم خندقجي (العربي الجديد)
باسم خندقجي (العربي الجديد)

يهمني التقاط فكرة حضور المرأة في نصوصي وفي رواياتي. للأسف الأدب الفلسطيني هو أدب أبوي وأدب ذكوري بطريركي بامتياز. وأحاول من خلال نصّي، ومن خلال مفهوم أدب الاشتباك، أن يكون هناك حضور واسع وممثل بطريقة تقدمية تحمل أبعاداّ ثقافية وإنسانية للمرأة التي لم يتم تقديمها في روايات أخرى. وللأسف عندما أقول إن الأدب الفلسطيني هو أدب أبوي أقول أيضاً إن الكاتبة الفلسطينية تتحمّل المسؤولية في هذا الجانب أيضاً. لأنه في بعض قراءات سردية فلسطينية لكاتبات فلسطينيات لا يكون هناك تأنيث حقيقي للنص. هل سماء إسماعيل هي الجانب المرئي والمعاصر والحديث من شخصية مريم المجدلية؟ بالطبع أرى ذلك لأن سماء إسماعيل هي ابنة الداخل الفلسطيني المستعمر منذ عام 1948. وأبناء وبنات الداخل الفلسطيني للأسف أقولها بكل الحزن ما زالوا يعانون اليوم من إشكالية تعريفهم لدى المحيط العربي. من هم الفلسطينيون الذين يعيشون في دولة الاستعمار الصهيوني في الداخل؟ هل هم فلسطينيون 48؟ هل هم "عرب إسرائيل"؟ هل هم فلسطينيو الداخل؟ هذه الأسماء هي نتاج الحالة المشوهة التي يجري بها التعامل مع الفلسطينيين في الداخل. التقاء سماء ومريم لا أعلم إلى أيّ حد يمثل أمومة، ولكن نور الشهدي في ختام الجزء الأول عندما يقول لسماء إسماعيل "أنت مآلي"، المقصود هنا هو الهوية. لماذا قمت بتوجيه نور باتجاه سماء إسماعيل؟ لأنّ سماء إسماعيل تمثل حالة فلسطينية موجودة في الداخل المستعمر منذ عام 48. هي حالة متقدّمة أكثر في رؤيتها للهوية الفلسطينية على الحالة الموجودة في الضفة مثلاً، أو في غزّة، أو لدى فلسطيني الشتات، لأنها مشتبكة بصورة يومية مع المستعمر بكافة التفاصيل. لا أعلم إن كان القارئ أو المحيط العربي والعالمي يدرك مدى الإقصاء والعنصرية الذي يواجهه فلسطينيي الداخل من قبل المستعمر الصهيوني. فعندما تدعي "دولة إسرائيل" أنها دولة يهودية وديمقراطية من خلال قانون دستوري معيّن فإنها تصبح بهذه الحالة يهودية للعرب وديمقراطية لليهود. وبهذا يعاني الفلسطيني في الداخل من هذه الأزمة، وكما قلت حضور سماء في النص هو حضور لفلسطينيي الداخل بما يشكلونه من تقدم في جانب الهوية وإنجازها.


نجد الدين حاضراً بقوة في الرواية، من خلال مريم المجدلية ويسوع والإنجيل، الشيخ والمسجد الأقصى والأدعية... هل هي إحالة إلى هوية الأرض كأرض ميزها عن غيرها كونها حاضنة للديانات، وهي الآن تعاني أيضاً مع قيام دولة على أساس ديني؟

لا أقول إن هناك حضور لدينٍ بقدر ما هناك حضور لثقافة دينية. أحاول إيجاد توليفة معينة ما بين الثقافة الدينية وما بين الواقع، وما بين الثقافة الدينية وما بين الثقافة الوطنية. بحيث يصبح الزمن الرمضاني الخاص بسماء إسماعيل ملجأ لسماء إسماعيل، ولكنه ملجأ وطني ومكافح ومقاوم وليس بالضرورة أن يمثل ملجأ دينياً. مع الأخذ بعين الاعتبار مدى أهمية البعد الديني لأرض فلسطين، فهناك من أحال التوراة من نص خاص بالأدعية والتسابيح والابتهالات إلى نص غضب ودماء ودمار وتطهير عرقي وشركة مقاولات تمنح الأرض لمن يشاء، ممثلاً بالحركة الصهيونية. ولا يمكنني أن أقع بذات الخطأ والخطيئة التي وقعت بها الصهيونية وهي قومنة الدين، عندما نقوم بذلك فهذا بحد ذاته مأزق إنساني، لأنه في هذه الحالة يعطي الفتوى بالإبادة الجماعية. وأي حالة قومية تستند إلى الدين هي حالة فاشية بامتياز لأنها تقوم بتحويل الدين إلى شأن قومي، وهذا ما حاولت أن أنفيه داخل نصي من خلال الاعتماد على ثقافة دينية متسامحة. انظري.. كيف ركزت على البعد الصوفي للقدس باعتبار أن الصوفية هي رحابة الأفق، هي الاتحاد، هي الطهر وهي لا تُقصي الآخر المختلف بل تقوم على أساس الحب وعلى التسامح. وأما حضور مريم المجدلية في النص فهو حضور فلسطيني؛ مريم ابنة الداخل الفلسطيني بطريقة أو بأخرى، وهي الحاضرة الغائبة في الخطاب الأدبي والثقافي العالمي. هنا أحاول إعادة تحرير مريم المجدلية من السياق المعرفي والمركزي الغربي، الذي كان حاضراً في السياق الاستعماري. ونحن اليوم نعاني من سياسات عنصرية وفاشية تمارسها وتبلورها الحالة الصهيونية الدينية المرعبة. 


ارتداء قناع المحتل رافقه لوم وعتاب شديدين .. وركّزت كثيراً على هذا الجانب. لماذا تورط نور في جلد ذاته، لأنه تقمص شخصية أور الصهيوني؟ ألم يمكن تجاوز التأنيب الشديد إلى استغلال التقمص لصالح فهم تفكير الطرف الآخر أو إقناعه، كجزء من عملية تقمص نقيض المرء؟ أي تجاوز صراع الذات لصالح تفكيك صراع مع الخارج؟

أستخدم الأقنعة داخل النص، مستنداً إلى رؤى معينة، وتحديداً رؤى فرانز فانون. بعض النقاد أحياناً يتعاملون مع شخصية نور على أنه حالة فردية، لكنه ليس كذلك، لأنه يمثل تياراً للأسف موجود داخل الشارع الفلسطيني، يقوم بتقليد الآخر الصهيوني. والمغلوب مولع بتقليد الغالب، كما قالها مرة ابن خلدون. قمت بفتح الطريق أمامه لكي يرتدي قناع الآخر، على أساس أن هذا القناع يمكن أن يوفر إجابات خاصة بكيفية رؤية هذا الآخر الصهيوني للفلسطيني. طبعاً لم أرحم نور داخل النص وكنت أجعله يجلد ذاته، ولكن استخدام القناع هو استخدام تقني بامتياز. حاولت من خلاله ألّا أجعل نور يرى الآخر الصهيوني، وإنما كنت أسعى إلى أن أرى ذاتي ككاتب. دعيني أقول إنني أنطلق من موقع ثقافي يختلف بعض الشيء عن الموقع الثقافي الذي ينطلق منه كاتب آخر. أنطلق من بعد قمت فيه باستغلال وجودي في المعتقل لصالح هذا الموقع، بمعنى أنني درست الواقع الصّهيوني دراسة أكاديمية ومعرفية جادة وأحلت دراستي ولغة العدو إلى "غنيمة حرب". وربما من أكثر الأبعاد التي اكتسبتها داخل المعتقل هو التمكن من هذا الصهيوني معرفياً، وما زلت أستكمل تمكّني منه لكي أستطيع أن أهزمه، وكما قال أحدهم لا يمكننا أن نستخدم أدوات السيد لهدم بيت السيد. وهذا ما سعى نور إلى توفيره، وهذا ما يكتمل أيضاً في مشروعي الروائي بصورة عامة، في الثلاثية. وبالتالي ارتداء نور للقناع لم يكن ارتداء بديهياً وإنما ارتداء إشكالياً. واستخدامي لنور ذهَب إلى أبعد مما كان يتمناه في ارتدائه للقناع، ودخل إلى أعماق البنية الصهيوني إن كان زمانياً أو مكانياً. يعني هو تواجد في "كيبوتس"، أو تجمع استيطاني استعماري يعد من أهم التجمعات الاستعمارية الصهيونية، التي تم تأسيسها في فلسطين المستعمرة. هو تواجد جغرافي وزماني من خلال القناع في تورطه مع الحركة الصهيونية. ولكنه خلع هذا القناع عندما بدأ ينشغل بالتاريخ، وعندما شعر أن ثمة هوية له تحيط به تمثلت بشخصية سماء إسماعيل التي لم يكن حضورها حضوراً ساطعاً في الرواية. وإنما كان حضورها كخلفية بني عليها الجزء الثالث (المقبل) في الرواية التي ستكون شخصيته أنثوية بامتياز. هناك أكثر من تقنية يمكن استخدامها لفهم الحالة الصهيونية وفي فهم الأبعاد العنصرية والاستعمارية للحركة الصهيونية. ولكن الأساس يتأتى من خلال الصراع الداخلي، وفتح جبهة ثقافية من الداخل والانقضاض؛ دعيني أقول الانقضاض السردي بمواجهة الآخر الصهيوني. أفضل دائماً الدخول إلى هذه البنية المعرفية ومحاولة تفكيكها، لأنني كلما فككتها استعدتُ إنسانيتي.


ماذا يمثل لك فوز روايتك بجائزة البوكر؟

لم أعلم بأن روايتي حصدت جائزة البوكر إلا عندما اقتحم السّجانون زنزانتي واقتادوني إلى التحقيق. وحين استجوبني المحققون عن الموضوع، أدركت أنني فزت بالجائزة، لا بل انتصرتُ للجائزة. فهذه الجائزة انتصار لشعبي الفلسطيني، انتصار لغزّة الأبية؛ غزّة البهية التي أهديتها الرواية. وشعرت لحظة حينها أنني اشتبكت والتحمت مع شعبي في غزّة، وأنني ساهمت ولو بشكل متواضع جداً في عملية المقاومة التي كانت تجري في غزّة. وبالتالي كان شعوري مختلطاً وممتزجاً بالحزن وبالفرح والفخر والاعتزاز في نفس الوقت، وشعرت أن حريتي باتت أقرب، وأنه ثمة مسؤولية كبيرة تقع على عاتقي كأديب وكمثقف فلسطيني مشتبك.


ما هي خططك المستقبلية بعد السجن؟

هناك العديد من الخطط التي أنوي الشروع بها، من أهمها إكمال الدكتوراة، وإعادة كتابة رواية كتبتها في الأشهر الستة الأخيرة قبل التحرر من الأسر، ولا تزال في ذهني، لأنهم صادروا الأقلام والدفاتر. ولم يكن لدينا أدوات يمكن أن ندوّن بها ما نشاء. هي رواية عن الشّهيد وليد دقة صديقي ورفيق دربي. بالإضافة إلى انهماكي بصياغة مفهوم أدب الاشتباك، بالتعاون مع مجموعة من المثقفين والمثقفات الفلسطينيين والعرب والعالميين، والذي يهدف إلى كشف الوجه الحقيقي للأدب الصهيوني، وكشف مناحي العنصرية وهي عنصرية شمولية في كل الخطاب الصهيوني.

المساهمون