تشريح أجساد المغاربة بالمشرط الاستعماري في "الطب والأولياء"

16 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 03:06 (توقيت القدس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يستعرض الكتاب الصراع بين المغاربة والفرنسيين خلال الاستعمار، حيث امتد ليشمل الجسد الإنساني كرمز للسيادة والمعرفة، مستغلاً حادثة مقتل الطبيب الفرنسي موشان كذريعة للاحتلال.
- تدرس أمستير المواجهات بين الأطباء الفرنسيين والسكان المغاربة، مسلطة الضوء على محاولات فرض "مواطَنَة عقلانية" على حساب النظام الروحي والاجتماعي، وكيف أصبح الجسد ساحة للصراع بين المعرفة الاستعمارية والمعتقدات المحلية.
- تناقش دور الأولياء في المجتمع المغربي كمصدر للشرعية، وتستعرض محاولات الأطباء الفرنسيين لفرض الممارسات الطبية الحديثة، واصطدامها بالمعتقدات التقليدية المستمدة من الدين.

تفتح الباحثة الكندية إيلين أمستير في كتابها الجديد "الطب والأولياء: العلم والإسلام وصدام الكولونيالية في المغرب" (2025)، أرشيف التاريخ المغربي الاستعماري على مصراعيه، عبر زاوية غير تقليدية وهي الجسد. فالمعركة بين المغاربة والفرنسيين لم تكن سياسية أو عسكرية فحسب، بل اتخذت بُعداً خفياً وعميقاً، تمثّل في الصراع على الجسد الإنساني، باعتباره ساحة رمزية للسيادة والمعرفة والروح.

من حادثة مقتل الطبيب الفرنسي موشان في مراكش عام 1907 إلى رمزية الأجساد المقدسة للأولياء في الثقافة الشعبية، يتتبع الكتاب الصادر بصيغة مشتركة عن أكاديمية المملكة المغربية والجامعة الدولية بالرباط، بترجمة محمد أعفيف، كيف أصبحت أجساد المغاربة – بين العلاج والتسميم، بين البركة والسيطرة – موضوعاً حيوياً للتأويلات الاستعمارية والدفاعات الثقافية. ويبدو أن الكولونيالية الفرنسية لم تسع فقط إلى احتلال الأرض، بل إلى تشريح المجتمع عبر جسده، وفرض نمط "مواطَنَة عقلانية" في مقابل نظام روحي واجتماعي موروث.

اختارت الباحثة الكندية إيلين أمستير في كتابها الفترة الزمنية الممتدة بين عامي 1877 و1956، لتتبّع تاريخ التجسيد الكولونيالي في المغرب، من خلال دراسة سلسلة من الصدامات والمواجهات بين المغرب وفرنسا. وانطلقت المؤلفة من أحداث واقعية جسّدت المواجهة العنيفة بين سكان بعض المدن المغربية وأطباء فرنسيين، كانت أشهرها حادثة الاعتداء على طبيب فرنسي بمدينة مراكش سنة 1907. اسم الطبيب موشان، أما وسيلة الاعتداء فكانت العصي والهراوات التي سُحقت بها جمجمته حتى الموت. ولم يكتفِ المعتدون بذلك، بل قاموا بسحب الجثة العارية مجرورة بحبل من عنقها، والطواف بها في أزقة المدينة. وقد استغلّت فرنسا هذا المشهد المروّع ذريعةً لاحتلال مدينة وجدة في السنة نفسها، ومن ثمّ احتلال المغرب سنة 1912.

الاستعمار لم يكن جيوشاً وأساطيل، بل تدخلاً في أنسجة الجسد 

اعتبرت الحكومة الفرنسية أن موت الطبيب هو شهادة، وفي حفل التأبين وصفته بـ"شهيد الحضارة". ووفقاً لتعبير مؤلفة الكتاب فهو "شهيد الكراهية الإسلامية المتعصّبة ضدّ العلم". أما حجة المسلمين في مراكش فكانت أن الدكتور موشان كان يهيّئ لغزو فرنسي وشيك من خلال تسميم المرضى المسلمين. وقد أوردت المؤلفة الوثيقة الآتية، العائدة إلى أرشيف سنة 1906: "ينتمي موشان إلى صنف من الماسونيين المسيحيين الفرنسيين الذين أقسموا على القضاء على مسلمي المغرب. فالأطباء العلماء أمثال موشان جرى اختيارهم وبثّهم بين السكان المسلمين. وهناك كانوا يُظهرون العناية والإحسان، ويبنون الثقة، ثم يقومون بحقنهم بسمٍّ خفيف غير ظاهر، يبدأ مفعوله بعد عامين أو ثلاثة وربما أربعة، ثم يموت المريض لا محالة بفعل تلك الحُقن".

من هذه الحادثة، وما راج حولها من كتابات وروايات شفوية، تؤكّد المؤلفة أن الجسم الإنساني دخل المعركة بقوة. وإذا ما تمّ تشريح هذه الجثة تشريحاً تاريخياً، فإن أحشاءها ستكشف عن صلةٍ وثيقة بين الجسد المشرّح والجسد السياسي. فالسُمّ، في هذا السياق، يُصبح طريقاً إلى المعرفة. تقول أمستير: "الماسونية المسيحية الفرنسية ستدخل أجساد المسلمين لتدمير الإسلام وتقويض استقلال المغرب. فهي معرفة بكيفية إبادة الدين والحياة البيولوجية لأجساد المسلمين. إذ يبدو الغزو هنا سياسياً وأبستمولوجياً، وصداماً سيادياً داخل الجسم الإنساني". وبذلك تخلص إلى أن الكولونيالية، في جوهرها، هي أيضاً حكاية أجساد.

الكشف عن هذا الصدام بين المغاربة باعتبارهم جماعة مسلمة، والفرنسيين باعتبارهم كياناً كولونيالياً يمتلك أدوات متقدمة لمعرفة الجسد والتحكم فيه، تطلّب من الباحثة حفراً عميقاً في معتقدات ومعارف كلا الطرفين. فالمخيال المغربي ظلّ يُفاوض مسألة السلطة عبر الجسد، المرتبط بالأرض والتاريخ الإسلامي والسياسات اليومية، بينما كان الفرنسيون "يبنون المواطن الجمهوري كفرد سيادي (سيد نفسه)، عقلاني، يُشكّل جسده بُعداً واحداً فقط في علاقته مع الدولة".

هذا الصدام، الذي تدخّل فيه الطبّ عنصراً محورياً، استند إلى المفاهيم العلمية الحديثة ومعرفة أنساق الجسم الإنساني (الصحة، النظرية الطبية، تقنيات العلاج والتدخل في الجسد). ومن هنا، ترى المؤلفة أن "دراسة طرائق العلاج والتداوي تكشف عن منطق الجسم الاجتماعي، حيث يتضمّن إصلاح الجسد عادةً إصلاح المجتمع"، وتستشهد بقول جون كوماروف: "إن الجسد الاجتماعي وجسد الفرد وُجدا دوماً في علاقة تفاعلية بنّاءة".

لفحص هذه الفرضية، خصّصت المؤلفة فصلاً بعنوان: "علاج الجسد، علاج الأمة: أولياء الصوفية وشرع الله في جسد مدينة فاضلة"، حيث تناولت فيه سؤال: ما هو دور الأولياء والصالحين المغاربة في مطلع عهد الحماية؟

واعتمدت في إجاباتها على ما كتبه إرنست كيلنر، الذي قال إن "المجتمع القبلي أنتج صلحاء للتوسط في النزاعات في غياب سلطة الدولة المركزية"، كما أوردت آراءً أخرى بشأن "بركة الأولياء" التي يمتلكها الأولياء والسلاطين بدرجات متفاوتة.

ولتأكيد تداخل الدين بالسياسة، عادت إلى تاريخ الإسلام، وبالتحديد إلى اللحظة التي توفي فيها النبي محمد عام 632 م، حين اندلع صراع حول من يخلفه. وفي خضم هذا الصراع، فرّ إدريس بن عبد الله إلى المغرب، وهو من سلالة الرسول عن طريق حفيده الحسن بن علي. وبذلك، تستنتج الباحثة أن أوّل نموذج سياسي للسلطة في المغرب تشكّل من النسب الشريف، الذي انتقلت عبره مشروعية الحكم.

يكشف عن صلةٍ وثيقة بين الجسد المشرّح والجسد السياسي

كما رأت أمستير أن الأولياء يرسمون "خريطة طبوغرافية للماضي"، أي جغرافيا الأمة. وقد تابعت تحليل رمزية القبور التي تحوّلت إلى محجّات لطموحات سياسية، لا دينية فقط. وربطاً بالجسد، استعرضت استغلال المرينيين لجسد إدريس الثاني في تكوين شرعية خاصة بهم، حيث اكتشفوا جثته سنة 1437 في حالة جيدة، غير منحلّة، ومعطّرة بالعنبر، فأعادوا دفنه في ضريح فخم بمدينة فاس، ردّاً على الدولة الأمازيغية التي أهملت القبر وتركته عرضة للخراب.

تنظر إيلين أمستير إلى الجسد بوصفه أرشيفاً. وهنا تتوقف عند بعض العائلات في مدينة فاس التي تدّعي قدرتها على علاج أمراض معينة، مثل مرض عرق النسا المعروف باسم بُزَلُّوم، والذي يُعاَلج بزيارة قبر سيدي يحيى بن مولاي إدريس، عبر "بركة" توارثتها عائلة أولاد يزم. ومن هنا، تستنتج الباحثة أن الجسد المغربي هو خزان لسلطة دينية وسياسية ضائعة.

تناولت الباحثة أيضاً محطات اصطدم فيها الأطباء الفرنسيون بالبيئة المغربية، التي وُصفت بـ"المتخلّفة" عن الاكتشافات العلمية الحديثة. رغم محاولات هؤلاء الأطباء إلغاء الممارسات التقليدية، فإن القوانين الفرنسية نفسها لم تستطع المساس بتلك المعتقدات، التي كانت تستمدّ شرعيتها من الدين. واستشهدت بقانون الجنرال ليوطي الذي اقترح مبدأ "النساء من أجل النساء"، حيث أوكل إلى النساء الفرنسيات مهمة "إدخال مبادئ الطاعة والفضيلة والعلم إلى الأسر المسلمة".