جذوة الإبداع في مهب الزمن

08 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 07:06 (توقيت القدس)
الروائي الأميركي فيليب روث في حديث مع قناة (PBS)، 14 يناير 2013 (Getty)

دائماً ما يُعيد صدور أعمال جديدة لمبدعين في خريف العمر سؤالاً ملغزاً عن علاقة الزمن بالإبداع، ولعل أحدث الأمثلة على ذلك تجربة أدونيس، الذي أصدر في منتصف عقده العاشر ديواناً جديداً بعنوان "هجرة الشمس" (دار الساقي، بيروت، 2026). ويبدو أن أدونيس لم يبتكر أدوات جديدة بقدر ما عاد إلى فطرته الأولى مستأنساً بالطبيعة، مع اعترافٍ بما انفلت من بين يديه بعد أن اكتملت التجربة:
"نعم يا صديقي القارئ، يكاد عمري أن يقول وداعاً للضوء، ولم أتقن بعد فنّ الاستضاءة". وهو ما يفتح الباب مجدداً أمام السؤال الملغز: هل ينال الزمن من الطاقة الخلّاقة كما ينال من الجسد، أم إن للإبداع شأناً آخر؟

علمياً، يبدو الجواب محسوماً؛ باعتبار أن الإبداع مخاض الدماغ، والدماغ كباقي أعضاء الجسد عُرضة للشيخوخة التي قد تسلمه حتى إلى الخرف. غير أن تاريخ الأدب والفن عموماً لم يخضع لهذه الحتمية؛ فبقدر ما يزخر بأسماء خفتت قدرتها على الإدهاش في المحطة الأخيرة، يفيض بتجارب بلغت واحة الإبداع آمنة مطمئنة، وأخرى آثرت الانسحاب بشجاعة تليق بتاريخها. لتظل العلاقة بين الزمن والإبداع أكثر تعقيداً من أن نختزلها في نظرية، ربما لأن التجربة الإنسانية بطبيعتها عصية على القياس ولديها القدرة على مباغتة كل التوقعات والنظريات.


ما إن يكتمل القمر بدراً

كثيراً ما نربط بين ذروة العطاء وفوران الشباب بشعلته المتقدة؛ فها هو أرتور رامبو يقلب موازين الشعر بتجربته الفريدة في سن السابعة عشرة، والتي خرجت مكتملةً كما خرجت منيرفا كاملة من رأس زيوس. رغم ذلك، تُبدّد تجارب أخرى هذا اليقين، فلم يبدأ ماركيز دي ساد كتابة أعماله الروائية والفلسفية المثيرة للجدل، والتي أسست لتيار فكري ونفسي، إلا بعد أن تجاوز سن الأربعين والخمسين خلف قضبان السجون ومصحّات الأمراض العقلية. وما بين هذين القطبين، تقف كوكبة من المبدعين استغرق نضجها الفني مخاضاً طويلاً، ولم يبلغ ذروته إلا في منتصف العمر، بعدها راح يتناقص باطراد، أو يكرر نفسه على تنويعات شتى.

هل ينال الزمن من الطاقة الخلّاقة كما ينال من الجسد؟

نلحظ هذه المفارقة في مسيرة الكاتب عباس محمود العقاد، إذ تحولت كتاباته في سنواته الأخيرة إلى معارك ميكانيكية، تفتقر إلى التدفّق والعمق اللذين ميّزا محطاته الكبرى في الأربعينيات. في الفخ نفسه وقع الكثيرون، منهم الشاعر نزار قباني عبر دواوينه المتأخرة، إذ استنسخت لغته صورها وتراكيبها القديمة بعيداً عن حلاوة الابتكار. وعلى الساحة العالمية، انقلبت أسلوبية الكاتب الأميركي إرنست همنغواي المقتضبة إلى كليشيهات، بعد أن استنفد الهاجس التجريبي أنفاسه مع تقدم العمر.

لكن، هل يقع المبدع في خريف عمره ضحيةً لإنجازاته السابقة، أم لتوقعات جمهوره؟ إن أزمة العقاد أو نزار أو همنغواي قد لا تعود حصراً إلى وهن أصاب الخيال، بل ربما إلى سطوة نصوصهم التي سجنتهم في فخ الكمال المرتجى.

ولعل انسحاب الكاتبة الأميركية هاربر لي بعد روايتها "أن تقتل طائراً بريئاً" لا علاقة له بالعمر بقدر ما يصب في تلك الإشكالية، قيل إنها تخشى الشهرة، فهل كان الأمر كذلك، أم إنها خشيت أن يطالبها القارئ بتكرار المعجزة؟ أو ليس هو الخوف نفسه الذي استحوذ على الكاتب المكسيكي خوان رولفو بعد أن بلغ القمة بروايته الأولى "بيدرو بارامو". لقد ظل رولفو صامتاً، غير منشغل بصياح الوسط الأدبي واستفزازاته، وحين سأله أحدهم يوماً بنفاد صبر: "لماذا لا تكتب رواية أخرى؟"، أجاب بسخرية: "لأن العم ثيلرينو مات. كان يمشي معي وهو يروي لي القصص، وكان كذّاباً كبيراً".


سفر الخروج

في مقابل الانطفاء التدريجي والتكرار المستهجن، اختار طيف آخر مواجهة خريف العمر بقرار الانسحاب النبيل حين شعروا بنضوب النبع وانطفاء الجذوة.

يجسّد يحيى حقي هذه الحالة، وهو الذي أرسى أسس القصة القصيرة المعبّرة عن روح الهامش. ورغم ما بلغه من براعة، آثر حقي التوقف قبل رحيله بأكثر من عقدين، زاعماً أنه لم يعد لديه ما يضيفه للقارئ، ولا سيما مع ظهور موجة شبابية كان واحداً ممن احتضنوها بشجاعة. أما الطيب صالح، صاحب "موسم الهجرة إلى الشمال"، فقد توقف عن كتابة الرواية في أوج جذوته، مفضلاً النزول إلى أرض الواقع في عالم لن يستطيع الخيال وحده أن يصلح حاله.

مرحلة ينظر فيها الإنسان إلى تاريخه بنوع من الرضا أو الامتثال

في السياق العالمي، أعلن الروائي الأميركي فيليب روث اعتزاله في سن السابعة والسبعين، ليضع حداً لرحلة إبداع دامت نصف قرن، مبرراً ذلك بنفاد طاقته وعدم قدرته على مواجهة الإحباط والجهد المضني الملازمين لكتابة رواية. كما أعلن الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا، الحائز على جائزة نوبل للآداب، اعتزاله بعد مسيرة استمرت لأكثر من ستين عاماً عقب نشر روايته "أهدي صمتي"، محبذاً أن تنتهي مسيرته بهذا الصمت النبيل، بدلاً من رثاء الخواتيم.

يبدو كما لو أن المبدع هنا بلغ مرحلة تكامل الأنا، وهي المرحلة التي ينظر فيها الإنسان إلى تاريخه بنوع من الرضا أو الامتثال، متقبّلاً نهاية دورته الإبداعية بسلام.


لا تذهب وديعاً إلى هذا الليل الطيب

كتب ديلان توماس تلك القصيدة ووالده على فراش الموت ليستحثه على الغضب لموت الضياء، فبدا كمن يُحذّرنا من الوقوع في دائرة الراحة، ولا سيما في خريف العمر. وما يجعل الأمر ممكناً رغم أنف العلم، ما حظي به بعض المبدعين من قدرة على المقاومة، فإذا بجذوة الإبداع تبدو ككوكب دري، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. في تلك الواحة العمرية المتأخرة، تتطهر التجربة من فائض الحماسة وعنف البدايات، لتبلغ مرتبةً من الصفاء والتقطير، ويخرج الصوت الذي ألفناه متوجاً بوقار تغضنات الوجه وبياض الشعر.

تتجلى هذه الروح في سنوات نجيب محفوظ الأخيرة؛ فبعد محاولة اغتياله، تخلّصت كتابته من رداء الرواية الطويلة وتحوّلت إلى شذرات صوفية مكثفة في "أحلام فترة النقاهة". وعلى الدرب نفسه، نفض محمود درويش عن قصيدته صخبها الخطابي القديم، وانصرف إلى الشعر الخالص، منشغلاً برحلة الإنسان الكبرى وأسئلة الوجود والزمن، في أعمال مثل "الجدارية" و"أثر الفراشة".

ولم تكن العبقرية الغربية بمنأى عن هذه التجربة؛ فقد توج الأديب الألماني غوته مشواره وهو في الثانية والثمانين من عمره، مهدياً العالم الجزء الثاني من "فاوست" قبيل رحيله بأشهر، وهو العمل الذي استعصى على التكييف المسرحي لفرط تجريده وعمقه. أما الإنكليزي وليم بتلر ييتس، فلم يتحول إلى الشاعر العظيم الذي نعرفه إلا مع اقتراب كهولته، تماماً مثل الأميركي روبرت فروست، الذي لم يسمع به أحد حتى شارف الأربعين، ثم جعل يكتب شعراً يزداد جودة وعمقاً كلما انقضى عقد جديد من عمره.

تجد هذه المسارات المتباينة بعض تفسيرها في الدراسات النفسية والنقدية؛ فبينما يربط علم النفس المعرفي بين خريف العمر وتراجع "الذكاء السائل"، المسؤول عن سرعة الابتكار والمغامرة، بما قد يفسر ميل بعض المبدعين إلى التكرار أو اختيار الصمت، يذهب إدوارد سعيد، في حديثه عن "الأسلوب المتأخر"، إلى أن الأعمال الأخيرة قد لا تمثل انطفاءً، بل تحولاً في طبيعة الإبداع؛ إذ يكتب الفنان في مواجهة حتمية الزمن، فتغدو نصوصه الأخيرة إما ذرىً في الكثافة والصفاء، وإما صراعاً ممضاً مع الكلمة، كمن يستجلب الماء من بئر بعيدة.