استمع إلى الملخص
- أثرت "أليس في بلاد العجائب" على الفنون والعلوم، حيث ألهمت أعمالاً مثل "في انتظار جودو" و"جحر الأرنب" لدالي، واستعارت العلوم مفاهيم مثل "متلازمة أليس" و"فرضية الملكة الحمراء".
- يُعتبر كارول رائداً في هندسة "المتاهات الذهنية"، حيث ألهمت أعماله مفكرين مثل بورخيس، ويُحتفى به في العصر الرقمي باستخدام تقنيات الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي.
شتّان بين أن تكتب للطفل، وأن تستعير عَينيهِ لترى بهما. في الأولى لن تتجاوز أسوار الحديقة الغنّاء، أما الثانية، فهي الطريق الأكيد إلى أرض العجائب. طريقٌ سلكه تشارلز لوتويدج دودجسون قبل قرنَين تقريباً، حين خلع نظارة أستاذ الرياضيات السميكة في جامعة أكسفورد، موقعاً مغامرته باسم يذوب في فم الأطفال مثل الحلوى: لويس كارول.
لعبة الاحتمالات
عُرف دودجسون بدقته وهوسه بالنظام، وللمفارقة، كان يعاني تأتأةً في حديثه مع الكبار، ويبدو خجولاً ومنعزلاً في الأوساط الأكاديمية. الأمر الذي يختفي تلقائياً حين يجلس مع الأطفال، وقتها فقط، يقفز من داخله الحكواتي البارع، والفكاهي والبهلوان. ولعلّ ولعه المبكر بالتصوير الفوتوغرافي لم يكن سوى محاولة يائسة لتثبيت البراءة قبل أن يُفسدها الزمن.
قبل كارول، اقتاتت الحدوتة على الخرافة والوعظ؛ "سندريلا" و"إيسوب" الأخلاقية. مع كارول، كفّ الخيال عن أن يكون نقيضاً للعقل، وصار امتداداً متطرفاً له؛ فإذا بالمعادلة الرياضية تتحوّل بين يديه إلى قصيدة نثرية.
جاء ذلك في لحظة تاريخية كانت الرياضيات تعيد النظر في مسلّماتها مع ظهور الهَندسات غير الإقليديّة، فاستغل خياله لاستنطاق الرموز: كيف يبدو عالم تلتقي فيه الخطوط المتوازية؟ وكيف يعمل زمن لا يسير في خط مستقيم؟
صحيح أن إرهاصات هذا النوع ظهرت في رحلات غوليفر وحكايات لوكيانوس السميساطي عن السفر إلى القمر. غير أن خيال كارول كان مدهشاً؛ تضافرت فيه الرياضيات والفلسفة والمنطق لنقل أدب الطفل من منطقة الراحة "كان يا ما كان"، إلى دائرة القلق: "ماذا لو؟".
متلازمة أليس
اختار كارول شخصياته من "أوراق اللعب"؛ عالم الحظّ والصدفة كما يراه الطفل. من هنا؛ تنطلق أليس بفضولها، فتهوي في جحر أرنب إلى عالم تحكمه قوانين منطقية مغايرة، يتبدّل فيه حجم الجسد تبعاً للمؤثرات، وتتعطّل اللغة أداةً للتواصل، لتصبح الحوارات جدلاً عقيماً، سيجد صداه لاحقاً عند بيكيت "في انتظار جودو"، ويمتد تأثيره إلى الفن التشكيلي، إذ رأى السرياليون مثل سلفادور دالي في "جحر الأرنب" تجسيداً لعالم الأحلام واللاوعي، واستلهم آلاف الفنانين حول العالم أليس بأساليب متنوعة تتراوح بين القوطي المظلم والأنمي الياباني. في السينما، قدّم مخرجون تجريبيون مثل يان شوانكماير نسخاً سينمائية تعتمد على "إيقاف الحركة" لتعكس غرابة المنطق الكارولي، كما استعار العلم وصف حالة عصبية تُربك إدراك الأحجام والمسافات؛ "متلازمة أليس". ويُرجَّح أن دقّة كارول في تصوير هذه التحولات خبرها بنفسه أثناء نوبات الصداع النصفي التي كانت تنتابه دوماً.
نقَل كارول أدب الطفل من منطقة الراحة إلى دائرة القلق
يرى مورتين ن. كوهين أن "أليس" رواية مقنّعة، تتخفّى فيها حياة كارول اليومية خلف أقنعة الحلم: أليس هي أليس ليدل، والدودو هو الكاتب نفسه، وبلاد العجائب أكسفورد وقد انقلب منطقها على ذاته، ما يعكس مأزق الطفل داخل مجتمع طبقي صارم.
تمتلئ القصة بمشاهد الأكل والشرب، فيما تغيّرات حجم أليس تعيد تموضعها باستمرار داخل "السلسلة الغذائية" لبلاد العجائب، فتجعلها واعية على نحو حاد بمنطق "كُلْ أو تُؤكَل". في هذا الكون الورقي، تبدو أليس الكائن الحي الوحيد، ثلاثي الأبعاد، بينما الجميع مجرد أوراق لعب مسطحة، إنها رحلة بحث عن "الأنا" في عالم يصرّ، عند كل منعطف، على أن يجعلك "لا أحد".
رحلة البيدق نحو التاج
في الجزء الثاني "عبر المرآة"، تنتقل إلى الجانب الآخر من المرآة، لتجد نفسها فوق رقعة شطرنج. إذا كانت الرحلة الأولى "سقوطاً"، فهذه الرحلة ارتقاء. أليس ليست مجرد عابرة على أرض العجائب (مرحلة الطفولة)، بل بيدق صغير ومقيم وعليه أن يجتاز ثمانية مربعات من التحديات الذهنية والاجتماعية ليستحق لقب ملكة (مرحلة النضج المستمرة).
وتُعد عبارة الملكة الحمراء "عليكِ أن تركضي بكل ما أوتيتِ من قوة إذا أردتِ أن تبقي في المكان نفسه" من أقوى العلامات، فالركض لم يعد وسيلةً للتقدّم، بل كان شرطاً للبقاء؛ المكان نفسه يتحرّك إلى الخلف، وأي توقّف عن الحركة يعني التراجع فوراً. هذه المفارقة استعارتها العلوم باسم "فرضية الملكة الحمراء"، التي ترى أن الكائنات الحية لا تتطوّر لتتفوق، بل لتنجو فحسب، إذ يفرض تطوّر المنافسين والمفترسات سباقاً أزلياً.
لم تتشكل "عبر المرآة" من مصدر واحد، بل من تداخل مباغت بين طفولتَين؛ فـ"أليس ليدل"، الملهمة الأولى ورفيقة رحلات القوارب، بدأت تكبر حين شرع كارول في الجزء الثاني، وكان على قلبه المحب، أن يرتقي بها من عشوائية أوراق اللعب إلى صرامة رقعة الشطرنج، ومن السقوط الحر إلى الحركة المحسوبة. إلى جانبها، ظهرت "أليس ثيودوسيا سيسيل"، ابنة عمّه، التي فجرت الجذوة: يُروى أن كارول كان في زيارة لعائلتها، وكان يراقبها وهي تلعب أمام مرآة كبيرة. وضع في يدها برتقالة وسألها: "في أي يد تمسكين البرتقالة؟"، فقالت: "في اليمنى". ثم سألها: "وفي أي يد تمسكها الفتاة التي في المرآة؟"، فقالت بدهشة: "في اليسرى". سألها عن سبب ذلك، فكرت الطفلة قليلاً ثم قالت: "لو كنتُ في الجانب الآخر من المرآة، ألن تكون البرتقالة في يدي اليمنى أيضاً؟"
صفوة القول، رغم قرار عائلة أليس الحاسم بمنعه من الاختلاط بملهمته، والتحفظ في دعوته إلى منزلهم، وما أثير من جدل بشأنه، ظل كارول مرشداً لأليس في رحلتها إلى الترقي، حتى ولو من بعيد: كيف تتحول من قطعة يُحركها الآخرون إلى "ملكة" تمتلك زمام أمرها فوق رقعة الوجود؟
وماذا لو كففت عن الحلم بك!
تكتنز "أليس في بلاد العجائب، وعبر المرآة" بألعاب لغوية غاية في الذكاء؛ فاللغة عند كارول كائنٌ حي يتسم بسيولةٍ فائقة على كل المستويات، وهي أكثر مرونة مما نتخيل. نستدل على ذلك من تورياته الدقيقة التي تخترق حواجز اللغات، كما في لعبة "التفاح/البطاطس" الفرنسية الساخرة، أو في مشهد مخاطبة أليس للفأر عبر تصريفات لاتينية ناقصة عمداً، علاوة على براعته في نحت الكلمات (Portmanteau Words)، التي وضع لها نظرية وشرحها في مقدمة قصائده، مؤسساً منهجاً لغوياً ألهم عمالقة مثل جيمس جويس في رائعته "يقظة فينيغان".
هذا العبث المنطقي هو ما جعل بورخيس يعدّه أستاذه الأول في هندسة "المتاهات الذهنية"، مستلهماً منه بنية الحلم داخل الحلم، وموقع الحالم من الكينونة.
يتضح ذلك في مشهد الحوار بين أليس وتويدل دي، يقول تويدل دي بانتصار:
"عجباً، إنه يحلم بك! ولو أنه توقف عن الحلم بك، فأين ستكونين؟"
أجابت أليس: "حيث أنا الآن طبعاً."
رد تويدل دي بازدراء: "ستكونين في لا مكان. أنت لستِ إلا مجرد شيء في حلمه!"
اعتبره بورخيس أستاذه الأول في هندسة "المتاهات الذهنية"
هذا القلق الوجودي الذي زرعه كارول في تربة الأدب الحديث، أعاد بورخس صياغته في "الأطلال الدائرية"، ليجعل من سؤال الطفلة الفيكتورية سؤالاً مستمراً، إذا ما كنا نحن أنفسنا مجرد أحلام لآخرين.
في ذكرى ميلاده، بينما يغرق العالم في بلاد العجائب الرقمية، يملك فيها 'هامبتي دامبتي' حق تعريف الكلمات، وتطاردنا أوراق اللعب على هيئة بيانات مشفرة، تحتفي أكسفورد بكارول كـ "أول مهندس" لعالمنا الرقمي؛ حيث تحول تقنيات الواقع المعزز شوارع المدينة ومبانيها العريقة إلى رقعة شطرنج حية يطارد فيها الزوار "الأرنب الأبيض". في الوقت نفسه، يفكك الذكاء الاصطناعي في مكتبة "بودليان" ألغاز مخطوطاته، وتكشف الندوات العالمية كيف استلهم المبرمجون لغاتهم وخوارزمياتهم من "عبثه المنطقي".
ربما تكون أعظم حقيقة تركها لنا كارول هي أن الاستيقاظ من الحلم لا يعني بالضرورة الرجوع إلى الواقع، بل يعني إدراكنا أن الواقع نفسه قد يكون حلم شخصٍ آخر، وأننا لكي ننجو، لا نحتاج لمزيد من المنطق، بل نحتاج لرؤية العالم بعين طفل، ترى في المستحيل ستة أشياء ممكنة.. قبل وجبة الإفطار!