"دندور" في نيويورك.. لماذا تهدي مصر معابدها الفرعونية؟

07 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 06:33 (توقيت القدس)
جانب من معبد دندور داخل متحف متروبوليتان، نيويورك، 2016 (Getty)

داخل متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك، يستقرّ معبدٌ مصري كامل كخلفية بصرية لمعرض يضمّ مجموعة من أعمال النحّات السويسري الشهير جياكوميتي (1901-1960)، بعنوان "جياكوميتي في معبد دندور"، على نحو يعيد إدماج الأثر في خطاب فني معاصر. غير أن هذا الحضور يفتح في الوقت نفسه، طبقات أعمق من الأسئلة حول كيفية انتقال معبد مصري قديم إلى نيويورك. وما الذي تكشفه هذه الرحلة عن مشروع إنقاذ آثار النوبة كلحظة مفصلية في تاريخ إدارة التراث عالمياً؟ والأهم، كيف يمكن قراءة هذا النوع من الهدايا الأثرية التي قدمتها مصر في الستينيات ضمن سياق سياسي وثقافي بعيداً عن خطاب الامتنان الرسمي.

يضمّ المعرض، الذي يتواصل حتى الثامن من الشهر المُقبل، 14 عملاً من البرونز والجصّ من مجموعة مؤسسة جياكوميتي في باريس، إلى جانب ثلاثة أعمال من مجموعة المتحف، ويهدف إلى إبراز الحوار الفني بين أعمال جياكوميتي وفن مصر القديمة الذي تأثر به طوال مسيرته، خاصة من خلال زياراته المتكررة لقاعات الفن المصري في متحف اللوفر. ويعود تاريخ بناء معبد دندور إلى عام 10 قبل الميلاد في عهد الإمبراطور أغسطس، وقد أُهدي إلى الولايات المتحدة عام 1965، وأُعيد تركيبُه في المتحف عام 1978.

من السيادة الوطنية إلى التراث العالمي

حين أعلنت مصر في أواخر الخمسينيات مشروع بناء السدّ العالي، كان واضحاً أن بحيرة ناصر التي ستنشأ بفعل تراكم المياه خلف السدّ، ستغمر مئات المواقع الأثرية في النوبة. في عام 1960، أطلقت يونسكو الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة، التي وُصفت في أدبيات المنظمة بأنها سابقة في تاريخ التعاون الثقافي الدولي. شاركت في الحملة أكثر من خمسين دولة، وأسهمت بتمويل وخبرات تقنية، ما مكّن من تنفيذ عمليات معقدة، أبرزها تفكيك معبدي أبو سمبل وإعادة تركيبهما بين عامي 1964 و1968.

بُني عام 10 قبل الميلاد، وأُعيد تركيبُه في المتحف عام 1978

وقد مثّلت هذه الحملة، بحسب اليونسكو لحظة انتقال من مفهوم التراث بوصفه ملكية وطنية إلى اعتباره إرثاً مشتركاً للإنسانية. هذا التحول كان أحد الأسس التي مهّدت لاحقاً لاتفاقية التراث العالمي التي تم التوقيع عليها عام 1972. غير أن هذا التدويل لم يكن خالياً من التوترات، إذ احتفظت الدولة المصرية، نظرياً، بسيادتها على الآثار، لكنها قبلت عملياً بإدخال أطراف دولية في قرارات تتعلّق بمصيرها. كانت الحملة تعبيراً عن نظام دولي جديد تُستخدم فيه الثقافة كأداة دبلوماسية موازية، فالدول المشاركة لم تكن مدفوعة فقط بالاهتمام العلمي، ولكن أيضاً بالرغبة في تعزيز حضورها الرمزي في فضاء عالمي يتشكل بعد الحرب العالمية الثانية.

الهدايا الأثرية: الدبلوماسية الثقافية وحدود السيادة

في كتابه "مذكراتي في السياسة والثقافة" يؤكد وزير الثقافة المصري الأسبق ثروت عكاشة أنه كان لا بدّ لمصر أن تشرك العالم معها في إنقاذ آثار النوبة، فهي ليست ملكاً لمصر وحدها كما يقول، لكنها تراث عالمي يخص الإنسانية. ورغم تأكيده المتكرر بأن تراث الأسلاف لا يباع، فإنه برّر إهداء الآثار في هذا الإطار واصفاً إياها بأنها تكون أشبه بسفراء مصر لدى الدول الأخرى، تحمل رسالة حضارية للعالم. ومن هذا المنظور، جاء قبول مصر بمنح عدد محدود من المعابد لبعض الدول المشاركة، مقابل مساهمة فعلية في إنقاذ تراث مهدد بالغرق، وفي إطار مشروع دولي رعته اليونسكو. 

ضمن ترتيبات الحملة، وافقت الحكومة المصرية على إهداء أربعة معابد صغيرة للدول التي قدّمت دعماً لها في إنقاذ آثار النوبة، فأهدت معبد دندور للولايات المتحدة عام 1965، ومعبد ديبود لإسبانيا عام 1968، ومعبد طافا لهولندا عام 1971، ومعبد إلليسيا لإيطاليا عام 1966. إضافة إلى البوابة البطلمية من معبد كلابشة التي أهديت إلى ألمانيا، وتعرض حالياً في الجناح المصري بمتحف برلين.

يندرج ضمن سلسلة إهداءات أثرية قدّمتها مصر لدول غربية 

في حالة معبد دندور، يشير أرشيف متحف متروبوليتان إلى أن نقله جاء بعد عملية اختيار تنافسية بين مؤسسات أميركية، قبل أن يُعاد تركيبه في جناح مخصص له عام 1978. وقد صُمم الجناح بحيث يحاكي مسار الإضاءة الطبيعة في موقع المتحف الأصلي على ضفاف النيل، لإعادة خلق سياق بصري للأثر.

غير أن هذا النقل أثار، منذ ذلك الوقت، نقاشات نقدية عدة، ففي كتابها "مستقبل في الخراب: اليونسكو، التراث العالمي، وحلم السلام" (دار نشر جامعة أكسفورد، 2018) ترى الباحثة لين مسكل أن الهدايا الأثرية في حالة النوبة يمكن قراءتها كشكل من أشكال الدبلوماسية الثقافية التي تخفي علاقات قوة غير متكافئة، فمصر، التي كانت تخوض مشروعاً تنموياً ضخماً وتبحث عن دعم دولي، وجدت نفسها في موقع تفاوضي معقد، امتزج فيه الامتنان بالضرورة السياسية. في المقابل، يشير البعض إلى أن هذه الخطوة أسهمت في توسيع نطاق المعرفة بالحضارة المصرية. فقد أصبح معبد دندور واحداً من أبرز معروضات المتحف، ويستقبل ملايين الزوار سنوياً.

بين العالمية وإعادة التملك

اليوم، بعد أكثر من نصف قرن، تبدو معابد النوبة المُهداة وقد اكتسبت طبقات جديدة من المعنى. في مدريد، يُعرض معبد ديبود في فضاء مفتوح يعيد توظيفه كمعلم حضري؛ وفي لايدن، يُدمج معبد طافا ضمن سردية متحف الآثار الهولندي.

ومع تصاعد النقاشات حول استرداد الآثار في العقود الأخيرة، تُطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الهدايا الأثرية ستظل خارج هذا الجدل، أم أنها ستُعاد قراءتها ضمن إطار أوسع يعيد النظر في تاريخ انتقالها. لا ينفصل هذا الجدل عن تحولات أحدث في سياسات المتاحف الغربية، التي باتت، منذ مطلع الألفية، أكثر حساسية تجاه تاريخ مجموعاتها. ففي تقارير صادرة عن المجلس الدولي للمتاحف جرى تأكيد ضرورة إعادة تقييم السياقات التاريخية لاقتناء القطع، بما في ذلك تلك التي دخلت المجموعات عبر اتفاقيات رسمية. 

هذا التوجه يفتح الباب نظرياً أمام إعادة قراءة حالات مثل هذه المعابد المصرية المهداة، كجزء من تاريخ أوسع لعلاقة غير متكافئة بين الشمال والجنوب في إدارة التراث. وهو ما يؤكده وزير الآثار المصري الأسبق زاهي حواس، والذي أشار في أكثر من مناسبة إلى أن منح بعض القطع الأثرية كهدايا جاء في سياق تاريخي وسيادي معين، معرباً في الوقت نفسه عن رغبته في عودة هذه الآثار إلى مصر مرة أُخرى.