"ذاكرة النقصان" لسمر يزبك وتوثيق الألم الفلسطيني

23 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 04:33 (توقيت القدس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في "ذاكرة النقصان"، توثق سمر يزبك شهادات ضحايا العدوان على غزة، مسلطة الضوء على أهمية التوثيق كسرد بديل لمعاناة الإنسان، بهدف كسر الصمت حول المأساة الفلسطينية وإعادة الكرامة الإنسانية.

- يتميز أسلوب يزبك بالبساطة والعمق، حيث تنقل مشاعر وتفاصيل لا تستطيع الكاميرات نقلها، معتمدة على شهادات حية من مقابلات مباشرة، مما يضفي أهمية استثنائية على توثيق معاناة الشعب الفلسطيني.

- يبرز الكتاب الجانب الإنساني للمأساة، مؤكداً على دور السرد في مواجهة طمس الحقيقة، وداعياً القراء للتفاعل والتعاطف، مما يجعله شهادة لا تُقدر بثمن.

حين يطغى الواقع على الاستعارة، يصبح التوثيق بديلاً للمجاز، وأبلغ من التخييل الذي يقوم عليه السرد الروائي. وهذا بالضبط ما فعلته الروائية السورية سمر يزبك في كتابها "ذاكرة النقصان" (دار الآداب، بيروت، 2025)، الذي نشرت نصوصاً منه في "العربي الجديد"، إذ رأت أن توثيق شهادات الضحايا المصابين هو الفعل الإبداعي الأنسب لتأريخ حياة الإنسان في بقعة صغيرة من هذا العالم تُدعى غزة.

يأتي الكتاب كصرخة مدوية في وجه صمت طال كثيراً، وكتوثيق تاريخي حي في مواجهة محاولات التغييب والنسيان. إنه ليس مجرد كتاب، بل مرآة تعكس أوجاعاً عميقة، ومحاولة نبيلة لاستعادة صوت من لا صوت لهم.

منذ الصفحات الأولى، يشدنا أسلوب يزبك الذي يتميز بالسهل الممتنع؛ لغة شفافة وعميقة في آن واحد، تنساب الكلمات حاملة في طياتها ثقل المعنى ووجع التجربة دون أن تغرق القارئ في متاهات التعقيد اللغوي. لم تقصد الروائية الاستعراض الأدبي، بل سعت إلى إيصال الحقيقة وبناء جسر من الفهم بين القارئ وأهل غزة، مقتربة من لغة الضحايا الأحياء أنفسهم، الذين يروون أدق المشاعر التي انتابتهم لحظة إصابتهم، وتداعيات القصف على ما فقدوه وما كابدوه بعد ذلك. يحكون عن أبسط التفاصيل التي لا تستطيع الكاميرات أو القنوات الإعلامية نقلها، وربما يعجز الناجون عن التعبير عنها، لكن أرواحهم أصابها عطب قد يكون بلا علاج أو شفاء.

هذا ما حاولت الكاتبة نقله بأمانة من خلال شهادات حية حصلت عليها من مقابلات مباشرة في قطر، حين بدأ نقل بعض الجرحى الذين تمكّنت المفاوضات من إخراجهم من سجن غزة الكبير، حيث تستمر أبشع إبادة جماعية في التاريخ، وتنقل تلك الشهادات مباشرة أمام الكاميرات على مدار 24 ساعة منذ أكثر من ستمئة يوم بعد 7 أكتوبر 2023.

في هذا السياق، يكتسب الكتاب أهمية استثنائية. فبينما تتوالى الأنباء والأرقام، وتتحول المأساة إلى إحصائيات قد تفقد معناها الإنساني مع مرور الوقت، تُعيد يزبك للإنسانية كرامتها المسلوبة عبر قصص شخصية وحكايات لأناس عاديين نادراً ما يُسلط الضوء عليها بهذا التفصيل. فهي لا تقدم تحليلات سياسية جافة أو تقارير إخبارية عابرة عن الإبادة، بل تسجل ما عانوه أثناء تعرضهم للموت، وأُجبروا على عيش حياة استثنائية غير إنسانية. هذه الحكايات هي جوهر الكتاب، وهي نبض حي في صدر الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني بأسره، ومعاناته المستمرة منذ 1948.

تصف يزبك المشهد الذي دفعها لجمع هذه الروايات المؤلمة، وتقول: "شعرت وكأننا على متن سفينة معلقة في السماء، عالقين في قدر من العجز والضياع، وسط أوهام وأشباح لا أستطيع تمييزها... حزن غريب يكاد يبتلع المشهد وكأن المكان ليس حقيقياً لفرط مأساويته. من يحتمل هذا الألم؟".

هذا الشعور بالعجز أمام هول الفاجعة، والرغبة في كسر هذا الصمت، يمنح الكتاب روحه. نقصان الأرواح، نقصان المنازل، نقصان الأمن، نقصان الأمل، نقصان الأطراف المبتورة... تكمن أهمية العمل في إظهار هذا النقص للعالم على ألسنة الضحايا أنفسهم، كل بحسب تجربته. وفي الوقت نفسه، يحاول تعويض هذا النقص عبر تثبيت الرواية الفلسطينية، وضمان ألا تُطمس هذه الشهادات تحت ركام النسيان المتعمد أو غير المتعمد.

تثبيت الرواية الفلسطينية وضمان ألا تُطمس شهاداتها 

تُذكرنا يزبك بأن كل رقم هو إنسان؛ ليس فقط عبر حرص الشهود على تسمية من فقدوا من كل عائلة، أو وصف كل منزل مدمر كان يوماً مأوى لأحلام وطموحات، بل أيضاً عبر إعطاء مساحة للصوت الفردي ليصعد من بين ركام الدمار ويروي قصته.

لا يمكن إغفال الجهد الهائل الذي بذلته الكاتبة في سبيل هذا العمل. تجميع هذه الحكايات، والاستماع إلى هذه الشهادات المؤلمة، وإعادة صياغتها بأسلوب أدبي يحفظ أصالتها وصدقها، هو عمل بطولي. ففي عالم يميل إلى تجاهل المعاناة أو تسييسها، قررت يزبك أن تكون الصوت الأمين، تحمل الأمانة وتوصل الرسالة. هذا الجهد يتجاوز الكتابة الأدبية؛ إنه التزام أخلاقي وإنساني رفيع المستوى.

وتوضح الكاتبة في مقدمة الكتاب ضرورة توثيق هذه الشهادات في زمن تسود فيه المفاهيم المجردة، بعيداً عن الألم الإنساني، فتقول: "لماذا نطيل الحديث عن قضاياهم بشعارات سياسية وأيديولوجية بعيداً عن آلامهم الشخصية كأفراد؟".

هذا السؤال الجوهري يختصر أحد أبرز أهداف الكتاب: إعادة البوصلة إلى الإنسان، وتقديم الألم في صورته الأكثر تجرداً وصدقاً، بدلاً من إغراقه في بحر التحليلات النظرية.

استطاعت الكاتبة أن تُبرز الجانب الإنساني العميق للمأساة بعيدًا عن التنميط أو التسطيح، حيث تظهر الشهادات المؤلمة شجاعة الصمود، مرارة الفقد، قوة الأمل الذي لا يموت، وحتى الدعابة السوداء التي تساعد على تحمل وطأة الواقع. هذه التفاصيل الدقيقة تجعل روايات الإبادة نابضة بالحياة، وتحلق بالقارئ بعيداً عن حدود الصفحة، ليشعر وكأنه يلامس الألم ويعيش لحظات اليأس والأمل مع أصحاب القصص.

تؤكد يزبك على الدور الحيوي للسرد في مواجهة طمس الحقيقة، وضرورة البحث في قصص النقصان لإعادة بناء ما تهدم. إن مروية الإبادة تعتمد بشكل أساسي على فعل النقصان، وهذا النقصان هو في ذاته شكل من أشكال الأرواح – وحتى الأماكن – في ثباتها وقوتها واكتمالها، بمعنى إبرازها، بمعنى القدرة على التواصل معها. النقصان يظهر في كل زاوية منها: نقصان الأجساد المقطعة، نقصان قدرتنا على الرؤية، نقصان المشهدية العميقة لآلام الآخرين، نقصان اللغة. فالنقصان هنا متكامل، ولا يمكن التفكير فيه إلا كمادة أولية لإعادة بناء ما تناثر من هذه الأجساد وتركيبه.

هذا الاقتباس يكشف عمق فلسفة الكاتبة في معالجة الموضوع، وتحويل النقص إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الوعي والذاكرة وتركيبها، بما لا يسمح لاحقاً بمحوها أو تشويهها أو تجاوزها، كي تتمكن البشرية جمعاء من المحاسبة والحرص على عدم تكرارها في المستقبل.

تدعونا سمر يزبك في كتابها إلى التوقف، التأمل، والاستماع بقلب مفتوح. إنه ليس كتابًا للقراءة العابرة، بل يتطلب تفاعلاً وتعاطفاً. يضعنا أمام مسؤوليتنا الإنسانية تجاه ما يحدث، ليس بوصفنا فلسطينيين أو عرباً، بل كبشر أولاً، ويحثنا على التفكير في دورنا كأفراد في منع تكرار مثل هذه الفظائع، أينما كنا في هذا العالم. لا شك أن الكتاب يشكل شهادة لا تُقدر بثمن في زمن عصيب يصعب فيه التعبير عن هول الفاجعة.

 

* كاتبة من فلسطين