"روزماري" لشادي الهبر.. امرأتان في مرآة واحدة

13 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:40 (توقيت القدس)
من العرض (كريس غفري)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تدور مسرحية "RoseMary" حول صراع داخلي بين ماري وروز، حيث تمثل ماري العاطفة والحنين، بينما تعبر روز عن العقل والمنطق. تتصاعد الأحداث في غرفة بسيطة، مما يعكس التوتر بين الشخصيتين.

- يستخدم المخرج شادي الهبر حركات جسدية دقيقة لتمثيل التحول من الإنكار إلى الاعتراف، حيث تفتح ماري قلبها بينما ترد روز ببرود، مما يعكس صراعًا بين العاطفة والعقل.

- تصل المسرحية إلى ذروتها عندما تروي روز قصتها، مما يؤدي إلى انهيار التوازن بين الشخصيتين، وتترك الجمهور أمام تساؤل حول حقيقة وجودهما، مع أداء متكامل من بياريت قطريب ومايا يمين.

تبدأ المسرحية في غرفةٍ بسيطة تتوسّطها أريكة زرقاء، تحيط بها جدران مغطاة بورقٍ مزخرفٍ بنقوش زهرية. في هذا الفضاء الحميم، تبدو ماري بثوبها الأحمر كأنها تعيش داخل ذاكرتها، في عرض "RoseMary" للمخرج اللبناني شادي الهبر، الذي يتواصل تقديمه على خشبة "مسرح المونو" في بيروت، حتى مساء الأحد المقبل. 

تتحرك ماري بين الصور المعلّقة على الجدار، تكلّمها وتعاتبها. في إحدى تلك الصور يظهر وجه رجل، نكتشف لاحقاً أنه الحبيب الذي تركها بعد اثنتي عشرة سنة من علاقةٍ لم تنته بانفصالٍ عادي، بل بانهيارٍ نفسي طويل. تحاول ماري أن تفهم ما جرى، تعيد تركيب التفاصيل لتجد تفسيراً لا يأتي. لا تصرخ، لكنها تغلي من الداخل بأسئلة بلا أجوبة.

إلى جانبها تجلس روز، المرأة نفسها لكن بنسخة أخرى، أكثر هدوءاً وتحفّظاً، ترتدي بدلة سوداء كدرعٍ تتخفّى خلفه لتقي نفسها من الانفعال. منذ اللحظة الأولى، ندرك أن المسرحية التي كتبها إيلي مكرزل، وأنتجها "مسرح شغل بيت" ببطولة بياريت قطريب ومايا يمين، لا تتناول امرأتين، بل امرأةً واحدة في حوار محتدم مع عقلها.

تصرّ روز على قول الحقيقة، فيما ترفضُ ماري الإصغاء
 

يتحوّل الحوار بين ماري ورُوز إلى مواجهة بين صوتين داخل الرأس. تفتح ماري قلبها بلا تردّد، تعبّر عما تشعر به من خيبةٍ وحنين ورفض، وتلوم نفسها مراراً، بينما تردّ روز ببرود منطقي، تذكّرها بالخيانة التي تكرّرت أكثر من مرة، وبالغيرة التي كان يبديها الحبيب من نجاحها، وبكل الإشارات التي تجاهلتها باسم الحب.

تصرّ روز على قول الحقيقة، فيما ترفض ماري الإصغاء. تقول روز بوضوح: "هو ما تركِك لأنك فاشلة، تركِك لأنك نجحِت". لكن ماري لا تريد الحقيقة، بل تفضّل الوهم الذي يواسيها، كأنها تختار أن تخنق صوت العقل لتبقى في منطقة مريحة من الإنكار.

يختار المخرج أن يبني التوتّر تدريجياً عبر تكرار الحوار وتحوّلاته بين الطرفين. كل تفصيلٍ جسدي محسوب بدقّة: حين تتحدث ماري بالعاطفة تضع يدها على قلبها، وحين تردّ روز تلمس رأسها، ثم في لحظة التحوّل، تتبادلان هذه الحركة، وكأن السيطرة العاطفية انتقلت من إحداهما إلى الأخرى. هذه الإشارة البسيطة تختصر مسار العمل بأكمله: انتقال الوعي من الإنكار إلى الاعتراف، ومن الانفعال إلى التفكير الواعي والعكس.

ذروة المسرحية تأتي حين تنفجر روز، بعد طول كبت، وتروي حكايتها الشخصية: الأب الظالم، الأم التي مرضت بالسرطان من القهر، والرحيل الذي لم يُعطِ فرصةً للفهم أو الغفران. هنا ينهار التوازن بين الشخصيتين، ويتحوّل العقل نفسه إلى عاطفة.

تبكي روز، وتتحوّل إلى الطرف الأكثر هشاشة. المشهد صادق في بساطته، لا موسيقى، لا مؤثرات، فقط صوتها وهي تروي ما حاولت طوال الوقت أن تخفيه. في هذه اللحظة، يصمت المسرح، وتبدو ماري وُروز وجهين في مرآةٍ واحدة، يسقط بينهما الجدار الفاصل. ماري تسأل لتبرّر، وروز تجيب لتذكّر، وكأننا نتابع ما يدور في رأس كلّ إنسانٍ بعد انكسارٍ عاطفي كبير. 

اختيارات الإخراج تُظهر وعياً بصرياً واضحاً. الألوان مقصودة: الأحمر للعاطفة، الأسود للعقل، والرمادي الذي يملأ الجدران هو المساحة الرمزية بينهما. الإضاءة محدودة لكنها دقيقة في عزل اللحظات. الضوء يشتدّ حين يعلو الصراع، ثم يخفت حين يدخل الحوار إلى الذاكرة.

في المشهد الأخير، يلتقي الضوءان في منتصف الخشبة، لتتوحّد الشخصيتان في لحظةٍ صامتةٍ مفتوحة على التأويل. التفاصيل الصغيرة تمنح العمل واقعيته الخاصة. الصورتان المعلّقتان على الجدار تتحوّلان تدريجياً إلى رموزٍ للعلاقات السابقة. حين تسمي ماري حبيبيها السابقين بـ"المرحومين"، وتقول إنها تتمنى لو ماتا فعلاً لتتمكن من الحداد بسلام، يضحك الجمهور أولاً ثم يصمت، لأن الجملة تختصر ما تعيشه كثيرات حين يُجبرن على إخفاء وجعهنّ كي لا يُتَّهمن بالمبالغة أو الضعف. هذا النوع من المفارقات بين الألم والسخرية يمنح المسرحية طابع "الكوميديا السوداء" الذي أشار إليه النص الأصلي.

تؤدي بياريت قطريب شخصية ماري بخفةٍ وانسياب. في المقابل، مايا يمين تمنح روز صرامةً محسوبة، قبل أن تترك لنفسها الانكسار في المشهد المفصلي. الانسجام بينهما واضح، رغم اختلاف المقاربة التمثيلية، وحضور كلٍّ منهما يكتمل بالأخرى، فلا وجود لبطلةٍ أولى أو ثانية.

في المشهد الأخير، تتحد الشخصيتان في صورة واحدة، لتصبحا "RoseMary". لا نهاية مغلقة ولا رسالة مباشرة. يُترك المتفرّج أمام السؤال نفسه: هل كانت المرأتان حقيقيتين، أم أننا كنّا نشاهد حواراً داخلياً تعيشه امرأةٍ واحدة؟


 

المساهمون