صورة الشعب

27 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 09:07 (توقيت القدس)
من معرض "ابنة ليبيا" لعائشة القذافي في متحف الشرق بموسكو الروسية، 2024 ( Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- مسرحية "يوليوس قيصر" لشكسبير تسلط الضوء على تحول الإنسان العادي إلى أداة للشر، حيث يبرر بروتس ورفاقه قتل قيصر بالحرية، لكن الشعب يتقلب سريعًا بين تأييد القاتل ولعن المقتول.
- مارك أنطونيو يستميل الحشد بخطبة مؤثرة، مدعيًا أن قيصر أوصى بمال للشعب، مما يغير موقفهم ويدفعهم للانتقام من المتآمرين، فيتحول بروتس من بطل إلى مجرم.
- شكسبير يعكس هشاشة الجماهير وسرعة تأثرها بالأوهام، حيث ينفذون حملة قتل عشوائية، مما يبرز غريزة القطيع في اتخاذ القرارات.

طوال التاريخ ظلّ الحشد أو الجماهير أو الشعب مشكلة. وبين الإيمان بقوة الشعب، وإرادته في التغيير، وكونه صانع التاريخ، وبين القول بأن غريزة القطيع هي التي تسير الحشود في الغالب، ولدى جميع الأمم، بقي الأدب والفكر حائرين. 

تقدم مسرحية "يوليوس قيصر" لشكسبير الكيفية التي يتحول بها الإنسان العادي إلى أداة، أو إلى وقود، أو إلى منفذ شيطاني يرتكب أفظع الشرور، أو يبتكر أشد الأفكار عنفاً كي يسوغ بها الجرائم التي يرتكبها، أو سيرتكبها. 

فحين يقتل بروتس ورفاقه من المتآمرين يوليوس قيصر، يخرجون إلى اجتماع عام للشعب الروماني، ويعددون الأسباب التي دفعتهم لقتل قيصر. يهتف بروتس في الجموع المحتشدة التي جاءت لتستطلع النبأ في البداية، أو تستمع إلى هؤلاء الذين اغتالوا قيصر: "أتفضلون أن يحيا قيصر فتموتون عبيداً، أم أن يموت قيصر فتعيشون أحراراً؟". غير أن الموقف ليس في أن الشعب يريد أن يتخلص من المستبد، بل في التحول السريع الذي يستدير به لتحية القاتل بروتس، ولعن المقتول قيصر: "عاش بروتس، عاش بروتس. كان قيصر طاغية".

ما كان ليصبح ذئباً إلا عندما أدرك أن الرومان قطيع من الأغنام 

غير أن أنطونيو يستخدم في خطبته أساليب وأقوالاً مختلفة لاستمالة الحشد، إذ يزعم أن قيصر كان قد أوصى بخمسة وسبعين درهماً لكل مواطن روماني، وجعل بساتينه ملكاً للشعب، وهي أكذوبة تنطلي سريعاً على عقول الناس، فيصدقونها، وهذا من أكثر المسائل غرابة في الخيال الشعبي الذي يسرع لتصديق الأوهام، بسبب حضورها في أمنيات أو خيالات اللاوعي. فكيف يمكن أن يقول أي واحد إن وصية قيصر كاذبة، وهو يتمنى أن تكون صحيحة؟

فماذا سيحدث؟

سرعان ما يتحول الحشد في المشهد التالي، بعد خطبة مارك أنطونيو، إلى تأييده، والأسى على قيصر. يصرخ أحد الحاضرين (ولنلاحظ أن شكسبير لا يعطي أي واحد من الجمهور، أو الشعب، اسماً، وإنما رقماً، أي الرجل 1، و2، و3، و4). واصفاً المتآمرين بالخونة، ثم راح الجميع يصرخون: "الانتقام. الانتقام. أحرقوهم". 

وهنا تكمن مفارقة عجيبة، فبروتس لم يقدم لهم غير الوعد بالحرية، وماذا يفعلون بالحرية؟ في حين قدّم لهم عدوه أنطونيو الوعد بالمال والبساتين.  ينطلق التأييد لأنطونيو، وتبدأ الثورة ضد بروتس وفي حين كان بطلاً في نظرهم قبل ساعات، يغدو مجرماً، ينادون بحرق بيته. ما يحدث بعد ذلك هو الأخطرـ إذ يبدؤون حملة تصفية جسدية لكل من يحتمل أن يكون مؤيداً له أو لرفاقه. ينفذ العامة، أو الشعب، حملة قتل تشبه ما ندعوه اليوم "القتل على الهوية" حين يلقون القبض على شخص اسمه "سنا" فيقررون إعدامه لأنه يشبه اسم أحد المشاركين في اغتيال قيصر، رغم أن الرجل بريء تماماً، ولكن: "لا يهم فاسمه سنا.. انزعوا اسمه من قلبه.. مزقوا أوصاله".  

كان شكسبير قد قدم لنا تمهيداً ما في البداية، حين قال كاشياس، وهو أحد رفاق بروتس: "أعرف أنه - يقصد قيصر -  ما كان ليصبح ذئباً إلا عندما أدرك أن الرومان قطيع من الأغنام".

هل كانوا كذلك؟


* روائي سوري

موقف
التحديثات الحية