طبقات الاستعباد في مصر: تاريخ الرق الأبيض والرق الأفريقي

06 مارس 2026   |  آخر تحديث: 07:03 (توقيت القدس)
غلاف الكتاب
+ الخط -
اظهر الملخص
- يناقش الكتاب دور الرق في بناء الدولة الحديثة في مصر بالقرن التاسع عشر، حيث استخدم الرقيق الأبيض في المناصب الإدارية والمنزلية، بينما عمل الرقيق الأفريقي في الأعمال الشاقة كالزراعة وحفر الترع.
- يعتمد الكتاب على وثائق أرشيفية لتوضيح أن إلغاء الرق كان نتيجة تفاعل معقد بين الضغوط الأوروبية والنقاشات الداخلية والتحولات الاقتصادية، وليس قرارًا تنويريًا بسيطًا.
- يبرز الكتاب مفهوم المقاومة، موضحًا أن الرقيق مارسوا أشكالًا من الرفض، ويستعرض التناقضات بين التشريع والممارسة في سياسات التحرير التدريجي.

في إحدى وثائق الأرشيف المصري التي تعود إلى ثمانينيات القرن التاسع عشر، يَرِد وصفٌ دقيق لامرأة شركسية في الثلاثينيات من عمرها، كانت مملوكة لسيدة تُدعى هانم آغا، ضمن موجة تحرير شملت مئات النساء في السنوات التي أعقبت مرسوماً أصدره سعيد باشا عام 1856، ومثّل بداية فعلية لمسار تقنين تجارة الرق تمهيداً لإنهائها.

انطلاقاً من هذه الوثيقة، يناقش كتاب "الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر" (دار العربي للنشر والتوزيع، 2026)، للباحث ناجي غابة، ظاهرة اجتماعية واقتصادية وسياسية تشكّلت ضمن شروط محددة، وتطورت داخل منظومة السلطة والاقتصاد في القرن التاسع عشر، في سياق بناء الدولة الحديثة وتوسّع جهازها الإداري والعسكري، وتنامي الحاجة إلى الأيدي العاملة في الزراعة والمشروعات الكبرى. 

وهنا لا بد من توضيح أن صورة الرقيق في ذلك العصر لم تكن موحدة؛ فقد كان هناك الرقيق الأبيض، وغالبيتهم من الشركس، يعملون في الخدمة المنزلية الفاخرة أو يتقلدون مناصب إدارية، بينما كان الرقيق الأفريقي يُستخدم على نطاق واسع في الأعمال الشاقة، مثل الزراعة، وفي مشروعات البنية التحتية الكبرى ومنها حفر الترع وقنوات الري التي شهدتها مصر في ذلك الوقت. فالظاهرة، بحسب قراءته، لم تكن معزولة عن مشروع التحديث، إذ تداخلت معه في مستويات متعددة، وأصبحت جزءاً من آليات إدارة الموارد البشرية في مرحلة بناء الدولة، وإن اختلفت طبيعة مساهمة كل فئة من هؤلاء الرقيق.

ويعتمد الكتاب على مادة أرشيفية واسعة، من مراسيم رسمية، وتقارير قنصلية، وسجلات محاكم، ومكاتبات إدارية، تتيح تتبّع الظاهرة من داخل مؤسسات الدولة نفسها، لا من خارجها فقط، من أجل تفكيك لغة السلطة ذاتها، وتعريفها للرقيق، وكيف نظّمت تجارتهم؟ وكيف أعادت، تدريجاً، صياغة موقفها منهم تحت ضغط التحولات الدولية والداخلية؟

يعيد المؤلّف للعبيد صفة الفاعل، لا الضحية الصامتة فقط

يتوقف غابة مطولاً عند التحولات التي شهدتها مصر منذ عهد محمد علي، مشيراً إلى أن استخدام الرقيق في الجيش وبعض قطاعات الإنتاج كان جزءاً من منطق إدارة الموارد في تلك المرحلة. لكن المهم هنا أن نفهم خصوصية الحالة المصرية؛ فبينما كانت مصر ولاية عثمانية اسمياً، تمتع محمد علي وأسرته بحكم شبه مستقل، وشرعوا في بناء جيش حديث واقتصاد زراعي وصناعي موجه؛ مشروع خلق حاجة ملحة للأيدي العاملة، واستُخدم الرق بوصفه أحد الوسائل لتلبيتها، وليس مجرد استمرار لتقليد عثماني قديم.

غير أن الكتاب يتجنب التبسيط؛ فلا يحمّل مرحلة بعينها المسؤولية، ولا يستسلم لسردٍ خطّي يوحي بأن إلغاء الرق كان نتيجة قرار تنويري صافٍ، مبيناً أن المسار كان متدرجاً وملتبساً، تحكمه اعتبارات سياسية ودبلوماسية واقتصادية متشابكة. في هذا السياق، يرصد المؤلف أثر الضغوط الأوروبية، ولا سيما البريطانية، في الدفع نحو تقنين تجارة الرقيق ثم الحدّ منها، مشيراً إلى دور الاتفاقيات الثنائية، والمراسلات القنصلية، والالتزامات التي فرضتها شبكة العلاقات الدولية المتنامية آنذاك. غير أن هذه الضغوط لا تُقدم بوصفها العامل الحاسم الوحيد، إذ يلفت إلى تزامنها مع نقاشات فقهية وإدارية داخلية تناولت مشروعية بعض الممارسات وحدودها القانونية، فضلاً عن اعتبارات تتصل بإعادة تنظيم سوق العمل في ظل تحولات اقتصادية أوسع، وهكذا يبدو إلغاء الرق حصيلة تفاعل معقّد بين الداخل والخارج، لا استجابة آلية لإرادة خارجية.

لا يكتفي الكتاب بتتبّع قرارات الإلغاء من أعلى، بل يلتفت أيضاً إلى ما جرى في الأسفل، وأحد أهم وجوه الإضافة يتمثل في تركيزه على مفهوم المقاومة، فبدلاً من الاكتفاء بسرد تاريخ الاسترقاق، يوسّع المؤلف الدائرة ليشمل أشكال الرفض التي مارسها الرقيق أنفسهم، مثل الهروب، وتعطيل العمل، واللجوء إلى القضاء أو الاستفادة من ثغرات قانونية للحصول على عتق، وهذه التفاصيل تمنح السرد كثافة إنسانية، وتعيد للرقيق صفة الفاعل، لا الضحية الصامتة فقط.

كما يستعرض الكتاب سياسات التحرير التدريجي، مبرزاً التناقضات التي رافقت تطبيقها، فبين النصوص القانونية التي تحدّ من التجارة، والواقع الذي ظلّ يسمح باستمرارها في بعض المناطق، تتكشف فجوة بين التشريع والممارسة، موضحاً أن هذه الفجوة لم تكن دليلاً على مجرد غياب الإرادة السياسية كما قد يُقال، فقد كانت نتيجة حتمية لبنية اجتماعية واقتصادية كانت لا تزال تعتمد على الرق ومتجذرة فيه لعقود طويلة، فالقوانين وحدها لا تكفي لتغيير واقع قائم على مصالح راسخة، وهو ما يفسر استمرار الظاهرة بشكل غير رسمي حتى بعد صدور التشريعات المنظّمة أو المقيّدة لها بوقت طويل.