مؤسسات أكاديمية تندّد بإلغاء ندوة "فلسطين وأوروبا" في "كوليج دو فرانس"
استمع إلى الملخص
- أعربت مراكز أبحاث عن قلقها من إلغاء المؤتمر، مشيرة إلى أن القرار يقوض مصداقية الباحثين وحرية النقاش الأكاديمي، وطالبت بإعادة الاعتبار للندوة.
- نددت منظمات مثل رابطة حقوق الإنسان بإلغاء الندوة، مؤكدة على ضرورة حماية حرية البحث الأكاديمي، وأعلنت أن الندوة ستُعقد في المركز العربي بباريس.
توالت، خلال اليومين الماضيين، تنديدات مؤسسات أكاديمية وجامعية فرنسية ودولية بالضغوط السياسية التي تلاحق ندوة "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة"، التي كانت مقررة غداً الخميس وبعد غد الجمعة في "كوليج دو فرانس" بباريس، قبل أن يرضخ المعهد الفرنسي العريق للحملة التي يقودها وزير التعليم العالي فيليب باتيست ومن خلفه لوبيات صهيونية في فرنسا، ويسحب استضافة المؤتمر مع أن كرسي التاريخ المعاصر في "كوليج دو فرانس" منظم مشارك للمؤتمر مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ــ فرع باريس. وأجمعت هذه الجهات عبر عدد من بيانات رسمية ورسائل مفتوحة، على أن القرار يشكّل انتهاكاً صارخاً للحرية الأكاديمية، ويهدّد استقلال مؤسسة مرموقة تأسست منذ أكثر من أربعة قرون، واحتضنت أبرز رموز الفكر الفرنسي من فوكو إلى بورديو.
في هذا السياق، وجّه رؤساء ومتحدثون باسم أهم أربعة مراكز أبحاث أوروبية وأميركية تُعنى بدراسات الشرق الأوسط خصوصاً، رسالة إلى كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير التعليم العالي الفرنسي فيليب باتيست ورئيس "كوليج دو فرانس" توماس رومر، أعربوا فيها عن بالغ قلقهم من إلغاء المؤتمر في المعهد الفرنسي المرموق. والمؤسسات الأربع هي "جمعية دراسات الشرق الأوسط" الإيطالية SESAMO و"الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط" BRISMES و"مجموعة دراسات الشرق الأوسط" MESA (أميركا الشمالية) والجمعية الألمانية لدراسات الشرق الأوسط DAVO. وجاء في الرسالة أن ندوة "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة "تجمع أكاديميين متخصصين بارزين من مؤسسات عالمية مرموقة من بينها المراكز الأربعة الموقعة على الرسالة، لذلك فإنّ "وصف وزير التعليم العالي في فرنسا المؤتمر بأنه يجمع نشطاء، فضلاً عن التشكيك بشرعيته الأكاديمية يشكل اعتداءً غير مبرر لمصداقية الباحثين المدعوّين". من هنا، تتابع رسالة مراكز الدراسات الأربعة، فإنه "مقلق للغاية إلغاء المؤتمر بناء على تعليقات تحرّف الحقائق على مواقع التواصل الاجتماعي وضغوط سياسية مارسها وزير التعليم العالي في فرنسا" (فيليب باتيست). ولفت الموقعون على الرسالة إلى أن "الإساءة إلى عمل أكاديميين رصينين عبر وصفه بالحزبي، يقوّض المبادئ الرئيسية للبحث العلمي والتاريخي والاجتماعي، لأن البحث الأكاديمي يجب تقييمه من قبل الجماعة الأكاديمية لا تقويضها بفعل تدخلات سياسية". وذكّرت الرسالة نفسها بأنّ التزامات فرنسا بالحرية الأكاديمية مكفولة بموجب قوانين محلية وأوروبية ودولية، وأن إلغاء المؤتمر يشكل مخالفة فادحة لهذه الالتزامات وترسي سابقة خطيرة حيث تؤدي الضغوط الإعلامية والتدخلات الحكومية إلى تحديد ما هي المواضيع التي يسمح بمناقشتها في الميادين الأكاديمية، وهو ما يهدد التعددية ويعيق الحس النقدي العلمي ويشجع اعتداءات أوسع على الحريات الأكاديمية في فرنسا وخارجها.
وتوقّف الموقعون على الرسالة عند السياقات التي وُظِّفَت عند تناول مفاهيم "العلمية" و"الرصانة الأكاديمية" (من قبل وزير التعليم العالي في فرنسا)، بهدف تبرير إلغاء المؤتمر وممارسة القمع على نشاطات علمية، وذكّروا بأنّ اتهامات مماثلة استُخدِمَت (أحياناً من قبل قوى حكومية) من أجل نزع الشرعية عن باحثين ولتقويض التعددية الأكاديمية غالباً من خلال تحريك قضايا تتعلق بدعم الإسلام السياسي والإرهاب ومعاداة السامية، فضلاً عن استخدام هذه المفاهيم "العلمية" من أجل تغذية الإسلاموفوبيا والخطابات المعادية للعرب والمساهمة في الهجمات التي تستهدف البحث الأكاديمي.
وطالب ممثلو مراكز الدراسات الأربعة، ماكرون وباتيست ورومر، باتخاذ الخطوات الآتية: ــ إصدار اعتذار رسمي لمنظمي مؤتمر أوروبا وفلسطين ومن المشاركين فيه على إلغاء المؤتمر والسماح لهم بعقده في "كوليج دو فرانس". ــ إعلان المسؤولين الثلاثة، ماكرون وباتيست ورومر، علناً التزامهم النقاش المفتوح والحر والنقدي. ــ توفير الحماية للطلاب والباحثين من الضغط السياسي والترهيب ومن هجمات الإعلام التي تهدد حرياتهم الأكاديمية و/أو سلامتهم الشخصية. ــ الامتناع عن تبني أو دعم إجراءات تحدّ من دور الجامعات بوصفها مساحة للتعددية والبحث العلمي المستقل.
وفي إطار مواقف التنديد، أصدرت رابطة حقوق الإنسان (LDH)، بياناً أمس تحت عنوان: "في كوليج دو فرانس، حرية البحث يجب أن تنتصر!". وأعربت الرابطة عن بالغ أسفها للقرار، معتبرةً أن إلغاء الندوة بعد اقتراح إدارة الكوليج تنظيمها مغلقة يمثل انتهاكاً للحرية الأكاديمية ولحق الجمهور في الوصول إلى المعرفة العلمية. وأكدت الرابطة أن تدخل وزير التعليم العالي، فيليب بابتيست، وإصداره حكماً على برنامج المؤتمر بحجة عدم ضمانه لنقاش حر ومحترم وتعددي، يضع معايير النقاش العلمي تحت ضغط السياسة والإعلام، محذرةً من أن مثل هذه التدخلات تهدد جوهر البحث العلمي والمؤسسات الأكاديمية.
وفي بيان صادر عن مؤسسة فرانس يونيفيرسيتي (France Universités) أول أمس الاثنين، أعربت المؤسسة عن دهشتها وقلقها البالغين، مشددة على أن الجامعات يجب أن تظل، بمعزل عن أي ضغوط خارجية، قادرة على تعزيز النقاشات المستنيرة المستندة إلى البحوث العلمية، بما في ذلك الموضوعات الحساسة والمعقدة، وجددت التزامها الثابت بالدفاع عن حرية البحث الأكاديمي.
القرار يفاقم المناخ السام على النقاش الأكاديمي حول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني
من جهته، وصف المعهد الدولي للدراسات المتوسطية والشرق أوسطية (iReMMO) القرار بأنه "هجوم مباشر على التفكير النقدي وحرية الفكر"، مشيراً إلى أن الوزير استسلم لضغوط الرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية LICRA، وأن هذا القرار يفاقم المناخ السام على النقاش الأكاديمي حول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
واعتبر الاتحاد النقابي للتعليم SUD Éducation القرار «سابقة بالغة الخطورة على الحريات الأكاديمية والديمقراطية»، مشيراً إلى أن الهدف الحقيقي منه، منع أي نقاش حول فلسطين وإخفاء المجازر في غزة وإنكار الاستعمار والفصل العنصري، ودعا إلى التراجع عن القرار وإدانة كل أشكال القمع أو عرقلة البحث العلمي.
وتواصلت بيانات الإدانة، اليوم الأربعاء، ببيان المركز الأوروبي لعلم الاجتماع والعلوم السياسية (CESSP) اعتبر فيه قرار الإلغاء "اعتداءً خطيراً على الحرية الأكاديمية"، مؤكداً أهمية أن يتمكن الأكاديميون من مواصلة النقاش وتبادل الأفكار وإنتاج المعرفة دون خوف من الترهيب السياسي أو الإعلامي.
وأشار كل من المعهد الدولي للدراسات الأوروبية (IREL) والمعهد الدولي للدراسات السياسية والعسكرية (IISMM) إلى أن إلغاء المؤتمر جاء نتيجة جدل صحافي وضغوط الوزير، محذرين من أنه "يُدخل الكوليج دو فرانس ووزارة التعليم العالي في دوامة ضارة من انعدام الثقة في قدرة الباحثين على التعبير بحرية".
جمعية فرنسا فلسطين تضامن (AFPS)، بدورها أدانت المنع في بيانها، الصادر هذا اليوم، موضحة أن الإلغاء جاء تحت ضغط مباشر من المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا (CRIF) و(LICRA) بدعم الوزير، واصفة هذا القرار بأنه "انتهاك صارخ للحريات الأكاديمية"، مؤكدةً أن الندوة ستُعقد رغم الرقابة والتدخلات السياسية، ومطالبة الوزير بالاستقالة فوراً.
هذا وستنظم ندوة "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة " في المركز العربي في باريس بعد تراجع فندق عن التزامه مع المركز تحت الضغط، حيث كان مقرراً أن يستضيف المؤتمر بعد إلغاء "كوليج دو فرانس" لإقامة المؤتمر في قاعاتها.