ماذا يعني أن تكون الكردية لغة وطنية في سورية؟

28 يناير 2026   |  آخر تحديث: 08:54 (توقيت القدس)
معلمة كردية في إحدى مدارس مدينة القامشلي شمال شرق سورية، 2016 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- صدر المرسوم الرئاسي رقم 13 في سوريا، معترفاً باللغة الكردية كلغة وطنية، مما دفع وزارة التربية والتعليم لإعداد مناهج كردية خلال ستة أشهر، ويعكس هذا تحولاً في التعامل مع اللغة الكردية.

- مع الثورة السورية، تحررت الثقافة الكردية جزئياً وظهرت مدارس ومراكز ثقافية، لكن الحاجة لتوحيد المعايير اللغوية ظهرت مع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، مما أدى لإعداد مرجع لتوحيد قواعد الكتابة الكردية الكرمانجية.

- الاعتراف باللغة الكردية خطوة رمزية تكسر الإرث البعثي، لكن التحدي يكمن في بناء ثقافة كردية سورية منفتحة، مما يتطلب إعادة التفكير في مفهوم المواطنة والتنوع في سوريا.

مع صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 منتصف الشهر الجاري في سورية، الذي اعترف باللغة الكردية لغة وطنية، تعاملت بعض المؤسسات المعنية معه بوصفه تكليفاً عملياً وليس مجرد إعلان نيّات، وهو ما ظهر في تعليمات تنفيذية أصدرتها وزارة التربية والتعليم، أول أمس، لتطبيق المرسوم، حيث كلّفت الوزارة المركز الوطني لتطوير المناهج بإعداد مناهج اللغة الكردية لجميع المراحل خلال ستة أشهر، لضمان اعتمادها قبل بدء العام الدراسي المقبل. هذه النقلة، على أهميتها، لا تُنهي النقاش المستمر حول القضية منذ عقود، بل تعيد طرحها من زاوية السؤال عن استجابة الدولة وإداراتها لإحياء لغة حُوصرت طويلاً خارج المجال العام، وكذلك التفكير في الإرث التاريخي الذي جعل الكردية، أصلاً، موضوعاً للريبة والخوف لدى السلطة؟ 

أسئلة مؤجلة

مع اندلاع الثورة السورية، انفجرت كل الأسئلة المؤجلة. الكرد، مثل غيرهم من السوريين، وجدوا أنفسهم أمام دولة تتفكك وتنسحب أمام مسؤولياتها، وفراغ يُملأ بالقوة. الثقافة الكردية هنا دخلت مرحلة جديدة من الالتباس: من جهة، تحررت جزئياً من المنع الرسمي، وظهرت مدارس ومراكز ومنابر ثقافية واجتماعية. ومن جهة أخرى، خضعت هذه الثقافة أحياناً لمنطق الحزب الواحد، ولأدلجة جديدة، جعلت اللغة مرة أخرى أداة تعبئة، لا فضاء حراً للتعبير.

ومع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على مناطق واسعة في شمال وشرق سورية، ظهرت الحاجة إلى توحيد المعايير اللغوية، وهو ما دفع "مؤسسة اللغة الكردية" التابعة للإدارة الذاتية إلى إعداد مرجع "Rêzimana Kurmancî" لتوحيد قواعد الكتابة الكردية الكرمانجية الشمالية، وفقاً للمعايير اللغوية والقواميس المعاصرة من ستة أجزاء: علم الأصوات، علم الصرف، النحو، علم الدلالة، الإملاء، علامات الترقيم. هذا المشروع، لم يكن مجرد خطوة تعليمية، بل إعادة بناء للغة في سياق سلطوي جديد: أي أن هذه اللهجة التي جرى اعتمادها أصبحت معياراً للتعليم والمؤسسات الرسمية، فيما بقيت اللهجات الأخرى أقل حضوراً. خلال هذه الفترة، ظهرت أيضاً محاولات لتثبيت اللغة في المناهج وإنشاء مراكز تعليمية وبحثية، لكنها لم تخلُ من الجدل حول أي لهجة يجب اعتمادها وأي معيار لغوي يصبح المرجع الرسمي.

جذور القضية

قبل وصول حزب البعث إلى الحكم، لم تعرف سورية ما يمكن تسميته "سياسة دولة" موجهة لقمع اللغة الكردية أو محو الثقافة الكردية، حيث قامت الدولة السورية الحديثة على تصور أحادي للهوية الوطنية، جعل العربية لغة الدولة الوحيدة في الإدارة والتعليم والمجال العام، من دون أن يرافق ذلك مشروع خاص لاستهداف اللغات الأخرى، على غرار الدول القومية الناشئة في المنطقة بعد الاستقلال. في تلك المرحلة، لم تكن هناك مسألة كردية متبلورة بوصفها حالة قومية جامعة، فالكرد كانوا منخرطين في الأحزاب السياسية السورية؛ قومية ويسارية، ولم يكن هناك آنذاك وعي جمعي كردي منظّم يطالب بحقوق قومية أو لغوية واضحة، بل كان ثمة وعي نخبة تحاول إحياء الثقافة الخاصة. هذا لا يعني غياب التهميش، لكنه تهميش ناتج عن نموذج الدولة الأحادية اللغة.

يقرّ المرسوم الرئاسي الأخير باللغة الكردية لغة وطنية لا رسمية

لم تُعامَل اللغة الكردية جسماً زائداً داخل الوطن، ولا جرى توصيف الكرد رسمياً خطراً قومياً قائماً بذاته، بل أُدرجت اللغة، مثل غيرها من أشكال التعبير المستقلة، ضمن حقل الريبة العامة. العربية نفسها، رغم كونها لغة الدولة، لم تكن فضاءً حراً بل خضعت لتقنين أيديولوجي صارم، فيما كانت اللغات غير العربية أكثر عرضة للتهميش بحكم غياب أي اعتراف قانوني أو حماية مؤسساتية لها.

غير أن أثر هذه السياسة كان بالغاً إذ نُقلت اللغة الكردية من حيّزها الاجتماعي الطبيعي إلى حيّز أمني مؤدلج، فصار تداولها مشوباً بالخوف، وأُجبرت الثقافة الكردية على التشكل في شروط دفاعية، لا بوصفها ممارسة يومية عادية داخل المجتمع. وحين تُمنع اللغة من المجال العام، وتُحاصر المؤسسات الثقافية، وتُجرَّم المبادرات المستقلة، فإن ما يبقى هو ثقافة شفوية، أو ثقافة سرّية، أو ثقافة مشحونة بالسياسة أكثر مما تحتمل.

هذا الواقع أضعف إمكانية تشكّل حياة ثقافية كردية طبيعية، نقدية، ومتنوعة. الأدب، والمسرح، والبحث الأكاديمي، والتعليم النظامي باللغة الكردية، كلها بقيت خارج الفضاء الشرعي. وفي المقابل، تشكّل خطاب ثقافي كردي مشدود دائماً إلى فكرة البقاء والهوية المهددة، ما جعل السياسة تطغى أحياناً على الجماليات، وعلى الأسئلة الداخلية للثقافة نفسها.

يقرّ المرسوم الرئاسي الأخير باللغة الكردية لغة وطنية لا رسمية، وهذا التمييز يعني الإقرار بأن الكرد جزء أصيل من النسيج السوري، وأن لغتهم ليست لغة أجنبية أو طارئة، بل لغة من لغات البلاد، ولكن عدم تحويلها إلى لغة رسمية يفتح نقاشاً أوسع حول معنى الرسمية، وحدودها. ووصف لغة ما بأنها وطنية هو أعلى مرتبة من ناحية الهوية والانتماء من وصفها رسمية، ذلك أن تسميتها وطنية يوحي بأنها جزء من الهوية الوطنية و"أصيلة"، بينما يمكن للغة أجنبية أن تكون رسمية أي معتمدة قانونياً لمعاملات الدولة كحال الفرنسية في بعض البلدان التي كانت سابقاً مستعمرات فرنسية ولديها لغاتها الوطنية ــ الرسمية في آن. في المقابل، قد تكون اللغة الوطنية غير مسماة رسمية، في حين أن الاستخدام يكون إجبارياً عندما تكون صفتها رسمية، أي أن المرتبة القانونية للرسمية أعلى من الوطنية. 

إعادة التفكير في سورية دولة متعددة، لا تخاف من تنوّعها

المرسوم، مهما كانت دوافعه السياسية، يكسر الإرث البعثي ويعترف بخطأ تاريخي. لكنه يبقى خطوة رمزية ما لم يُترجم إلى سياسات تعليمية وثقافية حقيقية، تتيح للغة الكردية أن تُدرَّس، وتُبحث، وتُنتج خارج منطق الاستثناء. المشكلة الأساسية في تناول الثقافة الكردية في سورية أنها غالباً ما تُختزل في سؤال الهوية. من نحن؟ ماذا نطالب؟ ما حقوقنا؟ وهي أسئلة مشروعة، لكنها ليست كافية. الثقافة، في معناها العميق، ليست فقط هوية، بل إنتاج معرفة، وخيال، ونقد ذاتي.

خارج الحسابات الضيقة

التحدي اليوم لا يقتصر على انتزاع الاعتراف، بل على بناء ثقافة كردية سورية قادرة على مساءلة ذاتها، وعلى الانفتاح على محيطها، وعلى التحرر من ثنائية الضحية والخصم. ثقافة لا تُعرّف نفسها فقط في مواجهة العروبة أو الدولة، بل في علاقتها بالإنسان، وبالحداثة، وبالسؤال الديمقراطي. الاعتراف باللغة الكردية لغة وطنية يمكن أن يكون بداية لمسار مختلف، إذا جرى التعامل معه خارج الحسابات الضيقة. هذا المسار يفترض إعادة التفكير في مفهوم المواطنة نفسه، وفي معنى أن تكون سورية دولة متعددة، لا تخاف من تنوّعها. الثقافة الكردية ليست عبئاً على الهوية الوطنية السورية، بل اختبار لها. إما أن تكون هذه الهوية قادرة على استيعاب الاختلاف، أو أن تعود إلى منطق القمع، ولو بأدوات جديدة. وفي الحالتين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يريد السوريون ثقافة تعيش في الظل، أم ثقافة تشارك في صياغة المستقبل؟