إضرابات إيران تتمدد وبزشكيان يتدخل... أزمة الريال تشتعل وغضب التجار ينتقل إلى الأسواق الكبرى

31 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:03 (توقيت القدس)
الصرافة في إيران والريال الإيراني، طهران في 12 أبريل 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهد الاقتصاد الإيراني اضطرابًا حادًا مع تدهور الريال واندلاع احتجاجات واسعة، مما أدى إلى إغلاق محال وتعطل حركة البيع والشراء، وتفاقمت الأزمة بسبب العقوبات الغربية المتزايدة.
- دعا الرئيس الإيراني الحكومة للاستماع إلى مطالب المحتجين، بينما طالب المحتجون بتدخل حكومي للحد من تقلبات سعر الصرف، وقدم الرئيس مشروع موازنة جديدة لمكافحة التضخم الذي بلغ 52%.
- استقالة محافظ البنك المركزي لم تهدئ الأسواق، وتزامن انهيار الريال مع ارتفاع التضخم، مما أدى إلى أزمة معيشية حادة وزيادة الضغوط على الطبقة الوسطى والشرائح محدودة الدخل.

دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة اضطراب غير مسبوقة مع تسجيل العملة المحلية، الريال، أدنى مستوى لها في تاريخها مقابل الدولار، في تطور لم يقتصر أثره على البنوك وسوق الصرف الأجنبي، بل امتد سريعاً إلى الأسواق والشارع والمؤسسات الرسمية، وانتهى باستقالة محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين، في مشهد يعكس عمق الأزمة النقدية وتداخلها مع عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية معقدة. وسجل الريال الإيراني في السوق الحرة تراجعاً قياسياً بلغ نحو 1.42 مليون ريال مقابل الدولار، قبل أن يستقر نسبياً عند حدود 1.38 مليون ريال، ما أشعل موجة احتجاجات وإضرابات واسعة في طهران ومدن إيرانية أخرى لليوم الثالث على التوالي. وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن محال وأسواق جملة في مناطق شوش ومولوي جنوبي طهران أغلقت أبوابها لليوم الثالث، كذلك أُغلقت متاجر داخل أجزاء من البازار الكبير. وذكرت أن الإغلاقات شملت مراكز توزيع رئيسية، ما أدى إلى تعطل حركة البيع والشراء وعرقلة وصول السلع إلى أسواق التجزئة.

الإضرابات تتسع 

وامتدت الإضرابات إلى مدن أخرى، أبرزها أصفهان، حيث أغلقت متاجر في محيط ساحة نقش جهان، أحد أهم المراكز التجارية والسياحية في البلاد. كذلك أغلقت مناطق تجارية بعدة محافظات، في مؤشر على اتساع رقعة الاحتجاجات المرتبطة بتدهور الأوضاع الاقتصادية. وقالت وسائل إعلام محلية إن العديد من التجار علّقوا نشاطهم بسبب صعوبة التسعير اليومي في ظل تقلبات سعر الصرف، وعدم القدرة على تحديد كلفة الاستيراد أو إعادة شراء البضائع. وأشارت إلى أن بعض الأسواق شهد نقصاً مؤقتاً في معروض السلع، وسط مخاوف من زيادات إضافية في الأسعار.

وبالتزامن مع الاحتجاجات، أعلنت سلطات محافظة طهران، أمس الثلاثاء، إغلاقاً عاماً ليوم واحد، شمل الدوائر الحكومية والمدارس والجامعات والبنوك، مبررة القرار بموجة برد وضغوط على استهلاك الطاقة، من دون ربط رسمي بين الإغلاق والأحداث الجارية في الشارع. وتواجه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة في ظل العقوبات الغربية التي تفاقمت بعد إعادة فرض عقوبات دولية مرتبطة بالبرنامج النووي في سبتمبر/ أيلول الماضي، وفق "فرانس برس".

الاستماع إلى مطالب المحتجين

وأعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس الثلاثاء، أنه وجه حكومته إلى الاستماع للمطالب المشروعة للمحتجين، ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) عن بزشكيان قوله: "طلبت من وزير الداخلية الاستماع إلى المطالب المشروعة للمحتجين من خلال الحوار مع ممثليهم، حتى تتمكن الحكومة من القيام بكل ما في وسعها لحل المشكلات والتصرف بمسؤولية". وقالت وكالة إيلنا العمالية إن المحتجين يطالبون بتدخل حكومي فوري للحد من تقلبات سعر الصرف، ووضع سياسة اقتصادية واضحة، مشيرة إلى أن اضطراب الأسعار أدى إلى شلل في حركة بيع السلع المستوردة، مع تفضيل البائعين والمشترين تأجيل التعاملات لحين اتضاح الرؤية.

ونقلت الوكالة عن بعض التجار قولهم إن مواصلة العمل في ظل هذه الظروف أصبحت مستحيلة. وفي سياق متصل، دعا رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إيجئي إلى المعاقبة السريعة للمسؤولين عن تقلبات سوق العملة، بحسب موقع "ميزان أونلاين" التابعة للسلطة القضائية. ويأتي ذلك فيما قدم الرئيس الإيراني مشروع موازنة العام الفارسي الجديد إلى البرلمان، متعهداً بمكافحة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. ووفق الإحصاءات الرسمية، بلغ معدل التضخم في ديسمبر 52% على أساس سنوي، رغم أن وتيرة ارتفاع أسعار السلع الأساسية تجاوزت هذا المستوى في العديد من القطاعات.

محاولة لطمأنة أسواق إيران

وأعلن التلفزيون الرسمي الإيراني، أول أمس الاثنين، استقالة محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين، الذي تولى منصبه في ديسمبر/ كانون الأول 2022. وجاءت الاستقالة بالتزامن مع احتجاجات واسعة للتجار وأصحاب المتاجر في طهران ومدن رئيسية أخرى، في خطوة قرأها محللون على أنها محاولة سياسية لامتصاص الغضب الشعبي وطمأنة الأسواق، أكثر من كونها حلاً جذرياً للأزمة، وفق "أسوشييتد برس". وقال المحللون إن تغيير رأس الهرم النقدي لا يعالج جوهر المشكلة، إذ تواجه السياسة النقدية الإيرانية قيوداً شديدة في ظل تضخم مرتفع، وتراجع الاحتياطيات، وصعوبة الوصول إلى العملات الصعبة، فضلاً عن غياب أدوات فعالة للدفاع عن سعر الصرف في سوق موازية باتت هي المرجع الحقيقي للتسعير.

وتزامن انهيار الريال مع تصاعد مقلق في معدلات التضخم، إذ بلغ التضخم السنوي نحو 42%، فيما قفزت أسعار المواد الغذائية بأكثر من 70% خلال عام واحد، وفق بيانات رسمية. هذه الأرقام حولت أزمة العملة إلى أزمة معيشية مباشرة، حيث فقدت الأجور والمدخرات قدرتها على مواكبة الارتفاع المتسارع في الأسعار، وازدادت الضغوط على الطبقة الوسطى والشرائح محدودة الدخل. وباتت الأسواق تعاني من حالة شبه شلل، مع صعوبة التسعير في ظل تقلبات يومية حادة في سعر الصرف، ما دفع كثيراً من التجار إلى تعليق البيع أو إغلاق محالهم مؤقتاً خشية الخسائر.

تجّار البازار في الواجهة

اللافت أن موجة الاحتجاجات الأخيرة انطلقت من التجار وأصحاب المتاجر، خصوصاً في محيط السوق الكبير بطهران، إضافة إلى مدن مثل أصفهان وشيراز ومشهد. وتاريخياً، يشكل تجار البازار أحد أهم مؤشرات الاحتقان الاقتصادي في إيران، وخروجهم إلى الشارع يعكس تآكل الثقة بقدرة الدولة على ضبط السوق وضمان حد أدنى من الاستقرار النقدي، بحسب موقع "إيران إنترناشونال". وفي موازاة الأزمة النقدية، أعلنت الحكومة تطبيق نظام جديد لتسعير البنزين يقوم على الشرائح، في محاولة لخفض الاستهلاك وتقليص فاتورة الدعم التي تثقل كاهل الموازنة العامة.

ورغم الطابع الفني للقرار، أعاد رفع أسعار الوقود إلى الأذهان احتجاجات عام 2019، حين تحول البنزين إلى شرارة انفجار اجتماعي واسع.
ويخشى مراقبون أن يؤدي تزامن انهيار العملة وغلاء الوقود إلى مضاعفة الضغوط على الشارع، خصوصاً في ظل غياب شبكات حماية اجتماعية قادرة على تعويض تآكل الدخول. وتشير تقديرات دولية إلى أن الاقتصاد الإيراني مهدد بدخول مرحلة ركود، مع توقعات بانكماش الناتج المحلي خلال عامي 2025 و2026، ما يضيّق هامش المناورة أمام الحكومة ويزيد صعوبة تمويل الدعم والخدمات العامة.

المساهمون