احتجاجات في طهران واستقالة محافظ البنك المركزي الإيراني
استمع إلى الملخص
- العقوبات الأمريكية أثرت بشدة على الاقتصاد الإيراني، مما أدى إلى تقليص عائدات النفط وارتفاع التضخم، ودفع التجار إلى إغلاق محالهم احتجاجاً على تقلبات سعر الصرف.
- حذرت السلطات من تسييس الاحتجاجات، وعقدت الحكومة اجتماعات لتحسين الأوضاع المعيشية، مع تأكيد الحرس الثوري على حماية استقلال وأمن البلاد.
نقلت وكالة نور نيوز الإيرانية شبه الرسمية، اليوم الاثنين، عن مسؤول في مكتب الرئيس الإيراني أن محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين قدّم استقالته من منصبه. وأضاف المسؤول أن الرئيس مسعود بزشكيان ينظر في طلب الاستقالة، بحسب ما نقلت وكالة رويترز. وفي السياق نفسه، أفادت وسائل إعلام إيرانية بتنفيذ إضراب من قبل بعض أصحاب المحال التجارية في طهران، إلى جانب تنظيم تجمعات متفرقة احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية والانخفاض الحاد في قيمة الريال، والارتفاع غير المسبوق في سعر الدولار، وأشارت إلى أن هذه التجمعات رُفعت فيها، في بعض الحالات، شعارات ذات طابع سياسي.
وفي مقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي في إيران، لم يتسنَّ لـ"العربي الجديد" التحقق من صحتها، ردّد بعض المحتجين شعارات داعمة لما يُعرف بـ"التيار الملكي" وأخرى مناهضة للسلطات. وتأتي عودة هذه الاحتجاجات إلى شوارع إيران في ظل تزايد احتمالات شنّ حرب إسرائيلية جديدة على البلاد، إلى جانب اشتداد الحرب الاقتصادية الأميركية عليها.
وخلّفت العقوبات الأميركية المفروضة على إيران آثاراً عميقة ومتشعبة في البنية الاقتصادية والمعيشية، إذ ساهمت في تقليص عائدات النفط، وتقييد حركة التجارة الخارجية، وعرقلة وصول النظام المصرفي إلى الأسواق والأنظمة المالية الدولية. وانعكس ذلك بشكل مباشر على استقرار سعر العملة، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة تكاليف الاستيراد، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وفرض ضغوط متزايدة على الأنشطة الإنتاجية والتجارية.
وذكرت وكالة أنباء "إرنا" الإيرانية الرسمية أن عدداً من التجار وأصحاب المحال في بعض المناطق ضمن نطاق سوق طهران، في جنوب العاصمة، أغلقوا محالهم كلياً أو جزئياً، اليوم الاثنين. وبحسب المصدر نفسه، ردّد بعض المحتجين، بالتزامن، شعارات احتجاجية على أوضاع أسعار الصرف والوضع الاقتصادي في عدد من مناطق السوق، من بينها سبزه ميدان وتقاطُع شارع إسطنبول. وفي بعض الأزقة التجارية، تراجع مستوى النشاط المهني إلى الحد الأدنى، فيما فضّلت محال تجارية الامتناع عن مزاولة العمل تفادياً لخسائر محتملة، بحسب "إرنا".
من جهتها، أفادت وكالة "إيلنا" العمالية، المقربة من التيار الإصلاحي في إيران، بأن مجموعة من التجار أغلقوا محالهم احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية والتقلبات الحادة في سعر الصرف، مردّدين شعارات احتجاجية على الوضع القائم، وأشارت إلى أن هذه الاحتجاجات شملت مناطق تمتد من لاله زار إلى سبزه ميدان وباب همایون، وهي مناطق تجارية تقع ضمن نطاق سوق طهران الكبير.
وأدّت التقلبات الحادة وغير المتوقعة في أسعار الصرف خلال الأسابيع الأخيرة إلى سلب قدرة أصحاب المحال على تثبيت الأسعار وإبرام عقود نهائية، ما ساهم في تعميق فجوة الثقة بين البائعين والمستهلكين. كما دفع هذا الوضع كثيراً من المورّدين إلى الامتناع عن التعاملات التجارية، في مقابل تأجيل المشترين مشترياتهم الضرورية إلى حين عودة الاستقرار إلى السوق.
وقد أثّر الارتفاع غير المسبوق والسريع في قيمة العملات الأجنبية، ووصول سعر الدولار إلى نحو مليون وأربعمائة ألف ريال، بشكل مباشر في مختلف الأسواق، ووضع السيولة اللازمة للأعمال التجارية تحت ضغط شديد. وبحسب "إيلنا"، حذّر ممثلو قطاعات مهنية مختلفة من أن استمرار هذا الاضطراب في سوق الصرف ينذر بخطر إفلاس واسع للأعمال التجارية وتعميق حالة الركود الاقتصادي، وطالبوا بتدخل فوري من الحكومة للسيطرة على تذبذبات أسعار الصرف ورسم مسار اقتصادي واضح، مؤكدين أن النشاط المهني المستمر بات مستحيلاً في ظل هذه الظروف.
تحذير من تسييس الاحتجاجات
في غضون ذلك، أفادت وكالة "فارس" المحافظة بأنه ضمن حشد احتجاجي يُقدَّر بنحو 200 شخص، حضرت مجموعات صغيرة من خمسة إلى عشرة أفراد رفعت شعارات تتجاوز المطالب المهنية. ونقلت الوكالة عن أحد أصحاب المحال في منطقة لاله زار قوله: "لدينا مشكلة اقتصادية، لكن هذه المجموعات الصغيرة التي ترفع شعارات سياسية لا تساهم في حل مشكلتنا".
كما نقلت "فارس" عن مسؤول مطّلع في وزارة الاستخبارات قوله إن "نمط حضور مجموعات صغيرة داخل تجمعات مطلبية بغرض توجيهها نحو مسار متطرف يتطابق تماماً مع سيناريو العدو الرامي إلى تحويل الانتقاد الاقتصادي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي". وفي السياق نفسه، دعت رئيسة منظمة "مجاهدي خلق" المعارضة مريم رجوي، المصنّفة في إيران "جماعة إرهابية"، عبر منصة "إكس"، إلى إطلاق سلسلة من الاحتجاجات.
بدوره، قال الناشط التجاري في سوق لاله زار شريفي (55 عاماً)، الذي شارك في احتجاجات السوق اليوم، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن عدم استقرار الأسعار عطّل عملياً سير العمل الطبيعي، مضيفاً: "عندما نفتح محالنا صباحاً، لا نعرف بأي سعر يجب أن نبيع البضائع، ومن حق الزبون أيضاً أن يمتنع عن الشراء. خرجنا اليوم للاحتجاج لأن هذا الوضع لم يعد محتملاً"، وأكد أن التجار باتوا مرهقين ولا يملكون أملاً حقيقياً في تحسّن الأوضاع، مشدداً على أن "السلطات لا تفكر بنا، وعلينا أن نتحرك بأنفسنا"، واعتبر أن "إطلاق الهتافات السياسية أمر طبيعي في الاحتجاجات، وهو تعبير عن الغضب".
كما قالت سمية، وهي تاجرة جملة في سوق الملابس، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنها تضطر إلى دفع مبالغ شهرية كبيرة أجرة محلها، ومع الظروف الراهنة تقف على حافة الإفلاس، محمّلة السلطات مسؤولية هذا الوضع ومطالبة إياها بتحمّل تبعاته، وأشارت إلى توقف سلسلة الإنتاج من التصنيع حتى التوزيع، موضحة أنه "عندما لا يقدّم المنتج سعراً ثابتاً، لا نستطيع نحن أيضاً أن نلتزم مع البائعين. كل شيء بات معلّقاً، وهذا الغموض جعل خطر إغلاق المحال أمراً جدياً".
في هذا السياق، أصدر الحرس الثوري الإيراني بياناً بمناسبة ذكرى المسيرات المؤيدة للنظام في مواجهة الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية عام 2009، حذّر فيه مما سمّاه أي خطأ في الحسابات من جانب الأعداء، مؤكداً أنه سيقف بحزم وشجاعة في مواجهة أي فتنة أو فوضى أو حرب معرفية أو تهديد أمني أو اعتداء على الأراضي الإيرانية.
وجدد البيان التزام الحرس الثوري بحماية استقلال إيران وأمنها وسيادتها وعزتها. كما حذّر البيان من أي محاولات لخلق ثنائية أو قطبية داخل المجتمع أو ضرب الثقة العامة، معتبراً أن مثل هذه التحركات تصب في ملعب العدو وتخدم أهداف ما وصفه بمعسكر الاستكبار العالمي بقيادة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وشدّد في ختامه على أهمية التماسك الوطني ووحدة الشعب الإيراني في مواجهة التهديدات والتحديات المختلفة.
اجتماع للفريق الاقتصادي
من جانب آخر، قال مدير العلاقات العامة في البنك المركزي الإيراني مصطفى قمري وفا إن اجتماعاً تنسيقياً للفريق الاقتصادي الحكومي حول السياسات النقدية والتجارية والأوضاع المعيشية للمواطنين عُقد في مقر البنك المركزي. وأضاف أن هذه الاجتماعات تُعقد استناداً إلى توجيهات الرئيس مسعود بزشكيان، وفي إطار جلسات التنسيق الأخيرة للفريق الاقتصادي الحكومي بشأن السياسات النقدية والتجارية والمعيشية، مشيراً إلى أنها ما زالت متواصلة في البنك المركزي، على أن تُجمع نتائجها قريباً داخل الحكومة ويتم الإعلان عنها لاحقاً.