الاقتصاد الأميركي يقود تقلبات وول ستريت.. ماذا عن الأسهم والدولار؟

09 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 23:06 (توقيت القدس)
متداولون في قاعة بورصة نيويورك، 8 إبريل 2026 (شارلي تريبالو/ فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهدت الأسواق المالية الأميركية تذبذباً ملحوظاً مع تراجع مؤشرات وول ستريت صباحاً وارتفاعها لاحقاً بسبب تفاؤل مؤقت بإعلان هدنة في الشرق الأوسط، لكن التوترات المستمرة أدت إلى ارتفاع أسعار النفط وتأثيرها على توقعات التضخم.

- يواصل القطاع المالي الأميركي أداءه القوي رغم الضغوط الجيوسياسية، حيث تسجل البنوك الكبرى إيرادات قياسية من تداول الأسهم والسندات، مدفوعة بتقلبات الأسواق والحرب، مع وجود مخاطر في سوق الائتمان الخاص.

- يواجه الاقتصاد الأميركي تحديات تضخمية مع ارتفاع أسعار الطاقة، مما يعقد قرارات الاحتياطي الفيدرالي، رغم تفاؤل الإدارة بتحقيق نمو اقتصادي، بينما شهدت طلبات إعانة البطالة انخفاضاً وارتفع الإنفاق الاستهلاكي بشكل طفيف.

يعكس أداء الأسهم الأميركية والدولار في الأيام الأخيرة صورة دقيقة لحالة الاقتصاد الأميركي الذي يواجه مزيجاً معقداً من الضغوط التضخمية وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، في وقت تتباين فيه المؤشرات بين قوة القطاع المالي وارتفاع وتيرة القلق في الأسواق. فقد بدأت مؤشرات تعاملات وول ستريت اليوم الخميس على تراجع واضح، حيث انخفضت العقود الآجلة لمؤشر داو جونز الصناعي 0.47%، فيما تراجعت عقود ستاندرد أند بورز 500 بنحو 0.41%، وهبطت عقود ناسداك 100 بنسبة 0.35% عند الساعة 07:10 صباحاً بتوقيت نيويورك، في إشارة إلى عودة الحذر لدى المستثمرين بعد موجة صعود قوية في الجلسة السابقة.

ولاحقاً في ختام التعاملات، عكست المؤشرات اتجاهها. وبحسب البيانات الأولية، ارتفع مؤشر ستاندرد أند بورز 500 بمقدار 41.13 نقطة، أو 0.61%، ليغلق عند 6823.94 نقطة، بينما ارتفع مؤشر ناسداك المركب بمقدار 187.42 نقطة، أو 0.81%، ليصل إلى 22819.30 نقطة. كما ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بمقدار 273.73 نقطة، أو 0.57%، ليصل إلى 48183.65 نقطة.

وكانت المؤشرات الأميركية قد سجلت مكاسب لافتة، إذ حقق مؤشرا ستاندرد أند بورز وناسداك أكبر ارتفاع يومي لهما منذ أكثر من أسبوع، بينما سجل داو جونز أكبر قفزة يومية خلال عام كامل، مدفوعة بتفاؤل مؤقت عقب إعلان هدنة لمدة أسبوعين في الشرق الأوسط. غير أن هذا الزخم لم يصمد طويلاً، مع ظهور مؤشرات على هشاشة الاتفاق واستمرار التوترات العسكرية، وذلك وفقاً لوكالة رويترز التي أشارت إلى أن العامل الجيوسياسي يبرز عنصراً حاسماً في تحركات الأسواق، وخصوصاً مع استمرار تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، بما يهدد تدفقات الطاقة العالمية. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط، وإن بقيت دون مستوى 100 دولار للبرميل، وهو ما ينعكس مباشرة على توقعات التضخم داخل الاقتصاد الأميركي الحائر.

في هذا السياق، يترقب المستثمرون صدور بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) لشهر فبراير/ شباط، مع توقعات باستقراره عند 2.8%، وهو ما يبقيه أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. كذلك تتجه الأنظار إلى بيانات مؤشر أسعار المستهلكين لشهر مارس، التي قد تعكس أثر ارتفاع أسعار الطاقة على الأسعار. وقد انعكست هذه التوقعات على تسعير الفائدة، إذ تراجعت احتمالات خفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بحلول نهاية 2026 إلى نحو 30% فقط، مقارنة بـ56% قبل يوم واحد، في تحول سريع يعكس حساسية الأسواق للتطورات الجيوسياسية. كذلك ارتفعت خلال فترة التصعيد رهانات على احتمال رفع الفائدة في ديسمبر/ كانون الأول، بعدما كانت التوقعات تشير سابقًا إلى خفضين خلال العام.

في المقابل، تكشف أسواق العملات عن حالة ترقب مماثلة، حيث استقر الدولار بعد تراجعه الحاد عقب إعلان الهدنة، مع تحركات محدودة أمام العملات الرئيسية. فقد ارتفع اليورو بنسبة 0.16% إلى 1.1680 دولار بعد أن لامس 1.1721 دولار، بينما صعد الجنيه الإسترليني بنسبة 0.1% إلى 1.341 دولار. أما أمام الين الياباني، فقد ارتفع الدولار بنسبة 0.17% ليصل إلى 158.88 يناً، بعد أن تراجع إلى ما دون 158 يناً في الجلسة السابقة، ما يعكس استمرار التذبذب المرتبط بتطورات الحرب. ورغم هذه الضغوط، يواصل القطاع المالي الأميركي تحقيق أداء قوي، حيث من المتوقع أن تسجل البنوك الكبرى إيرادات قياسية من تداول الأسهم تصل إلى نحو 18 مليار دولار في الربع الأول، بزيادة تقارب 14% على أساس سنوي، وأكثر من ضعف مستوياتها قبل عشر سنوات، حسب ما أوردت "بلومبيرغ".

وبحسب الشبكة الأميركية، تقود هذا الأداء مؤسسات مالية كبرى، إذ يُتوقع أن تحقق غولدمان ساكس نحو 4.79 مليارات دولار، ومورغان ستانلي نحو 4.67 مليارات دولار، وجي بي مورغان نحو 4.4 مليارات دولار من تداول الأسهم. كذلك يُرجح أن تسجل أنشطة تداول السندات أداءً قوياً، مع توقعات بنتائج قياسية لـ"بنك أوف أميركا"، وأفضل أداء لـ"سيتي غروب" منذ عام 2020. ويعكس هذا النشاط ارتفاعاً كبيراً في تداولات المستثمرين، مدفوعاً بتقلبات الأسواق الناتجة من الحرب، إلى جانب تأثيرات التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأسواق الائتمان. إلا أن هذه الديناميكية تخفي في طياتها مخاطر، خصوصاً في سوق الائتمان الخاص البالغ حجمه نحو 1.8 تريليون دولار، حيث بدأت تظهر إشارات ضغط، من بينها تسجيل خسائر بقيمة 17 مليون دولار لدى إحدى المؤسسات نتيجة تعثرات ائتمانية.

توقعات نمو الاقتصاد الأميركي

في الوقت نفسه، بدأت آثار ارتفاع أسعار الطاقة تظهر على الاقتصاد الحقيقي، إذ ارتفع إنفاق المستهلكين على الوقود بنسبة 25% خلال مارس/ آذار مقارنة بفبراير/ شباط، ما يضيف ضغوطاً تضخمية جديدة قد تعقّد قرارات الاحتياطي الفيدرالي. وفي خلفية هذه التطورات، تحاول الإدارة الأميركية الحفاظ على نبرة تفاؤل، حيث تؤكد استمرار استهداف نمو اقتصادي يراوح بين 4 و5% خلال العام، إلا أن الأسواق تبدو أكثر حذراً، مع تزايد اعتمادها على تطورات الحرب، محدداً رئيسياً للاتجاه.

وفي التفاصيل، أشار مستشار الرئيس الأميركي الاقتصادي، لارس هاسيت، إلى تفاؤله بتحقيق الاقتصاد الأميركي نمواً يراوح بين 4 و5% هذا العام، مؤكداً استمرار مراقبة الحكومة لأوضاع الأسواق والتطورات الاقتصادية. وفي تصريحات خاصة لشبكة فوكس بيزنس اليوم الخميس، أعرب هاسيت عن ثقته بأن ليزا وورش ستتولى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي في مايو/ أيار المقبل، معتبراً أن التعيين سيكون خطوة مهمة لاستقرار السياسة النقدية. وأعرب هاسيت عن أمله في إقرار مشروع قانون المصالحة الاقتصادية قبل يونيو/حزيران، مشدداً على أهمية تمريره لدعم السياسات المالية والاقتصادية للإدارة.

وبخصوص الرسوم الجمركية، أكد هاسيت أن الرئيس دونالد ترامب سيتخذ الإجراءات المناسبة إذا وجدت دول معينة أنها تدعم خصوم الولايات المتحدة اقتصاديًا، مضيفًا أن السياسة التجارية ستبقى أداة أساسية لحماية المصالح الوطنية.

انخفاض طلبات إعانة البطالة الأميركية وانخفاض طلبات المستهلكين

إلى ذلك، انخفضت طلبات إعانة البطالة المتكررة في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى لها منذ عامين تقريباً، بما يُعزز مؤشرات استقرار سوق العمل. وتراجعت طلبات الإعانة المستمرة، التي تُشير إلى عدد الأشخاص الذين يتلقون الإعانات، إلى 1.79 مليون طلب في الأسبوع المنتهي في 28 مارس، وهو أدنى مستوى لها منذ مايو 2024، وأقل من جميع التقديرات في استطلاع أجرته "بلومبيرغ". في المقابل، ارتفعت طلبات الإعانة الأولية إلى 219 ألف طلب في الأسبوع المنتهي في 4 إبريل/ نيسان.

وتُشير الأرقام الصادرة اليوم الخميس، إلى أن سوق العمل لا يزال يشهد ركوداً في التوظيف، حيث تقترب طلبات الإعانة من أدنى مستوياتها تاريخياً. وأظهر التقرير الشهري الحكومي عن التوظيف انتعاشاً في التوظيف خلال مارس/ آذار في قطاعات واسعة، بينما انخفض معدل البطالة بشكل طفيف. ومع ذلك، يقول خبراء اقتصاديون إن حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب الإيرانية وارتفاع تكاليف الطاقة قد تُؤثر سلباً بمعنويات الشركات، ما قد يدفعها إلى تقليص خطط التوظيف في الأشهر المقبلة.

كذلك، شهد الإنفاق الاستهلاكي الأميركي ارتفاعاً طفيفاً في فبراير/ شباط، في ظل تضخم مستمر يُتوقع أن يتسارع نتيجة للحرب على إيران. ووفقاً لبيانات مكتب التحليل الاقتصادي الصادرة اليوم الخميس، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي المعدل حسب التضخم بنسبة 0.1% مقارنةً بشهر يناير/ كانون الثاني، بعد أن شهد ركوداً في الشهر السابق. وارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسية، الذي يستثني المواد الغذائية والطاقة، بنسبة 0.4% مقارنةً بشهر يناير. وعلى أساس سنوي، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي بنسبة 3%.

وشهد الإنفاق على السلع ارتفاعاً لأول مرة منذ ثلاثة أشهر، مدفوعاً بانتعاش مبيعات السيارات. كذلك ارتفع الإنفاق على الخدمات بشكل طفيف، مدفوعاً بخدمات النقل. وتتوافق أحدث أرقام الإنفاق مع ازدياد حذر المستهلكين خلال الأشهر الستة الماضية، وسط مخاوف بشأن غلاء المعيشة وتباطؤ سوق العمل. وقد تصاعدت الضغوط التضخمية أخيرًا مع ارتفاع أسعار الوقود والمواد الخام نتيجة للحرب. بدأت بعض الشركات بالفعل في تحميل هذه التكاليف على المستهلكين أو أعلنت خططاً للقيام بذلك. وساهمت زيادة المبالغ المستردة من الضرائب في دعم الإنفاق خلال فبراير، إلا أن ارتفاع أسعار الطاقة يُنذر بتقويض هذا الدعم في الأشهر المقبلة.

وأظهرت بيانات منفصلة صادرة عن مكتب التحليل الاقتصادي أن الاقتصاد نما بوتيرة أبطأ من التقديرات السابقة في الأشهر الأخيرة من عام 2025. فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي المعدل حسب التضخم، والذي يقيس قيمة السلع والخدمات المنتجة في الولايات المتحدة، بمعدل سنوي قدره 0.5% في الربع الأخير.