استمع إلى الملخص
- أكد محمد بربخ من وزارة الاقتصاد الوطني أن الكميات المسموح بإدخالها لا تتجاوز 30% من حاجة السكان، مع وجود خطة لتسليم التجار الكميات المستوردة بسعر موحد، لكن السوق السوداء تزيد الأزمة.
- يواجه أصحاب المطاعم صعوبات في الحصول على الدواجن والغاز بسبب ارتفاع الأسعار، مما يهدد بإغلاق العديد من المطاعم الصغيرة.
تظهر أزمة الدواجن في قطاع غزة عمق التحديات الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها السكان، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال المواد الغذائية الأساسية. فالكميات المحدودة التي يسمح الاحتلال بدخولها لا تغطي سوى جزء بسيط من احتياجات السوق، ما أدى إلى اضطراب منظومة التوريد، وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.
وفي الوقت الذي تُبذل فيه جهود حكومية لتنظيم عملية الاستيراد والتوزيع، وضمان وصول الدواجن للمواطنين بالسعر العادل، إلا أن غياب السيطرة الفلسطينية على المعابر وتغوّل السوق السوداء جعلا الأزمة تتفاقم بشكل يومي، لتتحول إلى واحدة من أبرز مظاهر الحصار الاقتصادي المفروض على القطاع.
وحتى بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان في القطاع، العشرات من مزارع الدواجن، تنتج قرابة مليوني دجاجة شهرياً، و19 فقاسة للتفريخ وإنتاج الكتاكيت، مع مصنعي أعلاف، لكن دُمرت كل هذه المنظومة خلال عامي الحرب.
شح وتحديات
بدوره، أكد القائم بأعمال مدير عام السياسات والتخطيط في وزارة الاقتصاد الوطني بغزة، محمد بربخ، أن القطاع يشهد شحاً كبيراً في كميات الدواجن التي تدخل من المعابر، مشيراً إلى أن ما تسمح سلطات الاحتلال بإدخاله لا يتجاوز 30% من حاجة السكان والمطاعم في أحسن الأحوال.
وقال بربخ في حديث لـ"العربي الجديد" إن تسعير الدواجن مرتبط بجودتها، إضافة إلى دفعات الاستيراد والتنسيق مع الجهات المعنية، لافتاً إلى أن خطة وزارة الاقتصاد تقوم على تسليم التجار الكميات المستوردة وبيعها بسعر موحد، بعد احتساب سعر الاستيراد والتكاليف، مع الأخذ بعين الاعتبار تخصيص حصة لزبائن التجار.
ولفت إلى أنّ جزءاً من التجار لم يلتزم بتسليم الكميات لبيعها عبر نقاط التوزيع المعتمدة، مؤكداً أنّ الوزارة تعمل حالياً على اتخاذ إجراءات قانونية رادعة بحق التجار المتلاعبين بالأسعار أو بالكميات.
وشدد بربخ على أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم وجود سيطرة فلسطينية على المعابر، الأمر الذي يؤدي إلى تسرب كميات من الدواجن إلى السوق السوداء، دون رقابة كافية، ويمنع توزيعها بشكل عادل وبالسعر المناسب للمواطنين. وأشار إلى أنّ إسرائيل لا تزال ترفض منح أذونات استيراد للتجار، وتسمح فقط بدخول كميات محدودة جداً "وهو ما يُبقي حالة المجاعة قائمة في القطاع، نتيجة النقص الحاد في المواد الغذائية الأساسية".
كذلك، أوضح بربخ أن مطاعم غزة تصنّف ضمن القطاع الخدمي التشغيلي، وتسعى الوزارة إلى تنشيطه وإعادة تشغيله ودعمه بالمستلزمات المطلوبة، وهي تعكف على إعادة تقييم الأسعار الخدماتية لهذا القطاع، للوصول لتسعيرة عادلة تضمن عدم الاستغلال في ظل الأزمة الراهنة.
بدوره، تذمر المواطن عادل صبري من عدم قدرته على تناول الدواجن، حتى بعد مرور شهر على وقف إطلاق النار، وإدخال كميات محدودة منها إلى الأسواق. وقال صبري لـ"العربي الجديد": "تعلن الوزارة عن وجود نقاط بيع ونذهب إليها، لكنها تكون مزدحمة جداً ولا نتمكن من الشراء". وأضاف: "الوزارة تحدد سعراً معيناً للدواجن، لكننا نجد أنها تُباع في السوق السوداء بأسعار مضاعفة لا نقوى على شرائها"، مشيراً إلى أن الأسر محدودة الدخل أصبحت تعتمد على المعلبات أو العدس والفول بديلاً عن الدواجن التي كانت وجبة أساسية قبل الحرب. وأكد صبري أن الإجراءات الحكومية تحتاج إلى رقابة ميدانية أكبر، داعياً وزارة الاقتصاد إلى ضبط التجار الذين يتهربون من نقاط البيع الرسمية، ويضخون بضاعتهم في السوق السوداء بأسعار فلكية تزيد من أعباء المواطنين، وتكرّس الفجوة الاجتماعية في القطاع.
تكاليف استيراد باهظة في غزة
من جهته، أكد صاحب أحد المطاعم العاملة في وسط القطاع أنهم يعانون بشكل كبير في الحصول على كميات من الدواجن لتشغيل مطاعمهم، مشيراً إلى أن الأسعار مرتفعة جداً، مقارنة بما تحدده وزارة الاقتصاد. وقال لـ"العربي الجديد" إن الوزارة تحدد سعر الكيلوغرام بـ35 شيكلاً "لكننا نشتريه من أحد التجار في السوق السوداء بمبلغ 64 شيكلاً، وهو ما يبقي الأسعار مرتفعة داخل المطاعم، ويؤدي إلى تراجع الإقبال بشكل واضح".
ولفت إلى أنّ المشكلة لا تقتصر على الدواجن فقط، بل تمتد إلى نقص الغاز المستخدم في الطهي، موضحاً أنّ الهيئة العامة للبترول لا تخصص أي كميات من الغاز للمطاعم "ما يضطرنا إلى شرائه من السوق السوداء بسعر يصل إلى 80 شيكلاً للكيلوغرام الواحد". وأوضح أن استمرار الأزمة بهذا الشكل يهدد بإغلاق العديد من المطاعم الصغيرة، التي لم تعد قادرة على تغطية تكاليف التشغيل الباهظة، في ظل تراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين وغياب البدائل المناسبة.
ووفق مصدر تجاري مطّلع، فإن طلبات استيراد الدواجن واللحوم تُقدّم بشكل دوري للجانب الإسرائيلي، إلا أن القليل جداً منها يُقبل، ما يعوق وصول كميات كافية للسوق المحلي، ويُبقي الأسعار في مستويات مرتفعة. وقال المصدر لـ"العربي الجديد" إن رسوم التنسيق المفروضة على شاحنة الدواجن الواحدة تتراوح بين 400 و500 ألف شيكل، وهي مبالغ ضخمة تضاعف التكلفة النهائية، وتؤدي إلى بقاء أسعار الدواجن أعلى بخمسة إلى ستة أضعاف سعرها الطبيعي قبل الحرب. وأشار إلى أنّ هناك مبالغ أخرى تُدفع لتأمين الشاحنات من السرقات أثناء نقلها داخل القطاع، في ظل حالة الفوضى الأمنية في بعض المناطق، ما يزيد من الأعباء المالية على التجار ويؤثر سلباً باستقرار الأسعار.
ولفت المصدر إلى أن هذه التكاليف الإضافية تجعل السوق المحلية عاجزة عن العودة إلى وضعها الطبيعي، مطالباً المجتمع الدولي بالتدخل لفتح المعابر بشكل منتظم، والسماح بإدخال المواد الغذائية دون قيود، بما يضمن استقرار الأسعار، ووقف تفاقم الأزمة المعيشية في غزة.