الدوحة تختتم مؤتمر الغاز الطبيعي المسال وترسّخ دورها في أمن الطاقة العالمي
استمع إلى الملخص
- شهد المؤتمر اهتمامًا بحثيًا وتقنيًا متزايدًا، حيث تم تقديم 500 ملخص بحثي، وناقشت الجلسات مستقبل سلسلة قيمة الغاز ودور الأمونيا والهيدروجين، مع التركيز على الاستثمار في سلسلة قيمة الطاقة.
- أشار المشاركون إلى تحسن استقرار سوق الغاز الطبيعي المسال، مؤكدين على أهمية قطر في استقرار تجارة الغاز العالمية وسط التوترات الجيوسياسية.
اختتمت في الدوحة، اليوم الخميس، أعمال المؤتمر والمعرض الدولي الحادي والعشرين لـ"الغاز الطبيعي المسال 2026" (LNG2026)، وسط إجماع من الخبراء والتنفيذيين على أنّ هذا الحدث تجاوز إطار كونه منصة تقنية وتجارية، ليكرّس دور قطر كحجر زاوية في أمن الطاقة العالمي في لحظة جيوسياسية شديدة الحساسية. واختيرت مدينة بريسبان الأسترالية لاستضافة الدورة الـ22 خلال العام 2029.
وبحسب رئيس اللجنة المنظمة لبرنامج المؤتمر، جيم سولومون، تلقى المؤتمر نحو 500 ملخص بحثي، بزيادة تقارب 50% مقارنة بدورة 2023، و20% مقارنة بأعلى رقم سابق، ما يعكس حيوية القطاع وعمق الاهتمام العلمي والتقني به. واستقطب في الجلسات الفنية ما بين 150 و200 مشارك، مع مستوى ملحوظ من الابتكار في قطاع يُعد من أكثر قطاعات الطاقة نضجاً.
وشهدت الجلسة الرئيسية في اليوم الختامي التي شارك فيها المدير التنفيذي لقسم الغاز والغاز الطبيعي المسال العالمي في "إس آند بي غلوبال إنيرجي" للطاقة العالمية لوران روسيكاس، ونائب رئيس قسم الطاقة في الأميركتين في "وود ماكنزي" إد كروكس، بالإضافة إلى جيم سولومون، نقاشات معمّقة حول مستقبل سلسلة قيمة الغاز، ودور الأمونيا والهيدروجين في مزيج الطاقة.
ورغم التقدم الملموس في مشاريع الهيدروجين والأمونيا، خلص المتحاورون إلى أن وتيرة التطور لا تزال دون التوقعات، مع أفضلية عملية للأمونيا في المرحلة الراهنة، سواء كحامل للطاقة أو كوقود محتمل في بعض الصناعات. ونوقشت توقعات الأسعار حتى 2029 في ضوء توقعات فائض طاقات التسييل، وطرحت مقترحات استثمارية مثل بيع عقود آجلة وفق مؤشرات محددة، في مقابل رؤى أكثر تحفظاً تحذر من الإفراط في الرهان على سيناريو واحد للسوق.
الغاز والذكاء الاصطناعي
ركزت جلسة "رؤى للغاز الطبيعي المسال" على أنّ الاستثمار ينبغي ألا يقتصر على جانب الإنتاج والتسييل، بل يمتد إلى كامل سلسلة قيمة الطاقة المولدة بالغاز، من محطات التوليد إلى الشبكات والبنية التحتية. وأجمع المتحدثون على أن الطفرة المتوقعة في الطلب على الطاقة، نتيجة التوسع السريع في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ستجعل توافر الغاز الموثوق عاملاً حاسماً في استدامة الاقتصاد الرقمي عالمياً.
في المقابل، حذر البعض من اختناقات محتملة في سلاسل توريد المعدات الحيوية، مثل التوربينات ومعدات الشبكات، بما قد يقيّد وتيرة التوسع، رغم أن الأسعار الحالية المنخفضة للغاز تعزز جاذبية القطاع وترسخ صورته كمصدر طاقة موثوق وبتكلفة تنافسية خلال العقد المقبل. واستمر الجدل المناخي حاضراً، خصوصاً في السياق الأوروبي، حول خفض الانبعاثات ودور الغاز في مسار الحياد الكربوني، في حين بدا هذا الجدل أقل حدة في الولايات المتحدة.
وأكد المشاركون أنّ جزءاً كبيراً من الصناعة بات يتعامل مع خفض الانبعاثات باعتباره استثماراً أخلاقياً ومالياً في آن واحد، مع التركيز على الحد من حرق الغاز وتصريفه، وتحسين الكفاءة التشغيلية والسلامة، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في مراقبة الانبعاثات وتحسين أداء الأصول. كما طُرحت بقلق مسألة اللوائح الأوروبية الجديدة، لا سيما تنظيمات الميثان وتوجيه العناية الواجبة لاستدامة الشركات (CSDDD)، التي يرى العديد من الفاعلين أنها معقدة وبيروقراطية، رغم معالجتها قانونياً على مستوى الاتحاد، ورغم ذلك، خرجت الغالبية بانطباع أكثر تفاؤلاً حيال مستقبل القطاع على المدى القريب والمتوسط، مع قناعة راسخة بأن الطلب سيتبع العرض في نهاية المطاف.
استقرار الإمدادات
منذ دورة المؤتمر الدولي الذي عقد في مدينة فانكوفر الكندية عام 2023، ساهم تحسن الرؤية حول مسارات العرض والطلب وتكيّف الأسواق مع تبعات الحرب الروسية على أوكرانيا في تقليص حالة القلق التي سادت مشترين كثيرين خلال السنوات الماضية. وتراجعت حدة النقاش حول كون الغاز مجرد "وقود انتقالي"، ليُنظر إليه بشكل متزايد كمكوّن رئيسي طويل الأمد في مزيج الطاقة، مدفوعاً بتقدم تقنيات خفض الانبعاثات واحتجاز الكربون.
وتشير شهادات المشاركين إلى أن مستوى ثقتهم في استقرار سوق الغاز الطبيعي المسال أعلى مما كان عليه قبل ثلاث سنوات، في وقت تتنافس فيه الشركات الآسيوية والأوروبية على تأمين حصص من الطاقات التعاقدية الجديدة، وخاصة من مشاريع التوسعة القطرية. وفي تصريح لـ"العربي الجديد" شدد الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة قطر، جلال قناص، على أنّ "مؤتمر الدوحة يتجاوز الأبعاد البروتوكولية إلى ملامسة جوهر الأمن الاقتصادي العالمي".
وأوضح أنّ "استضافة المؤتمر في لحظة تشهد فيها أسواق الطاقة اختلالات عميقة، تزامناً مع تسارع تنفيذ مشاريع توسعة حقل الشمال التي تستهدف رفع الطاقة الإنتاجية القطرية إلى نحو 142 مليون طن سنوياً بحلول نهاية العقد، توجّه رسالة واضحة للأسواق مفادها أنّ الدوحة تمسك بمفاتيح استقرار جزء كبير من تجارة الغاز العالمية". وفي ظل توترات جيوسياسية متزايدة، تبحث العواصم في الشرق والغرب عن مزوّدين يجمعون بين الموثوقية السياسية والقدرة الفنية والمالية على الالتزام بعقود طويلة الأجل، و"هو ما يمنح الغاز القطري وزناً استراتيجياً مضاعفاً في معادلة أمن الطاقة والصناعة والتوليد الكهربائي على حد سواء"، وفقاً لقناص.
مؤتمر 2029
بدوره قدم الرئيس التنفيذي لصندوق صناعة الغاز الأسترالي، أندرو غارنيت، عرضاً موجزاً للنسخة الثانية والعشرين من المؤتمر التي ستستضيفها مدينة بريسبان في إبريل/ نيسان 2029. وأكد أنّ المؤتمر "سيواصل دوره منصة عالمية لتبادل المعرفة والتقنيات واتجاهات السوق، لكن مع بصمة محلية تعكس خصوصية التجربة الأسترالية في الغاز، ما يكرّس استمرارية الحوار الذي أعادت الدوحة تأطيره هذا العام على أسس أكثر".
وعقد مؤتمر الدوحة تحت شعار "ريادة الغاز الطبيعي المُسال: توفير الطاقة لاحتياجات اليوم والغد"، وشارك فيه نحو 20 ألف شخص، وكبار قادة الصناعة وخبراء الطاقة وصناع السياسات من 80 دولة. واحتل معرض الغاز الطبيعي المسال 2026 مساحة 35 ألف متر مربع من مركز قطر الوطني للمؤتمرات، بمشاركة 300 شركة محلية وعالمية.