استمع إلى الملخص
- لجأت بعض الشركات إلى إنتاج السولار الصناعي محلياً بسبب غياب السولار المستورد، مما زاد من تكلفة إنتاج الكهرباء، وأصبح الوقود الصناعي ضرورياً رغم عدم مثاليته.
- أصدرت سلطة الطاقة في غزة بياناً لتنظيم عمل المولدات، ويرى الخبراء أن الحل الجذري يكمن في ترميم البنية التحتية وتشجيع التنافسية بين الشركات.
لم تعد أزمة الكهرباء في قطاع غزة مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الأزمات الاقتصادية والإنسانية تعقيداً، في ظل الانقطاع الكامل للتيار الكهربائي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما رافقه من تدمير واسع للبنية التحتية وشلل شبه تام في عمل شركة توزيع الكهرباء.
ومع غياب أي مصادر رسمية للطاقة، وجد الغزيون أنفسهم أمام خيار واحد فقط، وهو كهرباء المولدات التجارية، التي انتشرت بشكل واسع في الأحياء والمخيمات، لكنها جاءت بأسعار وُصفت بأنها "جنونية"، في وقت يعاني فيه السكان من انهيار مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
وبينما يفترض أن تكون المولدات حلاً مؤقتاً لسد فجوة احتياج السكان خلال الحرب، تحوّل هذا القطاع إلى عبء اقتصادي ثقيل على المواطنين، وسط مطالبات متزايدة بتدخل الجهات المختصة لتنظيم الأسعار وضبط آليات العمل ومنع استغلال حاجة الناس في واحدة من أقسى المراحل التي مر بها قطاع غزة.
خسائر الكهرباء
كانت شركة توزيع كهرباء غزة، أعلنت أن القطاع خسر منذ بدء حرب الإبادة على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 ما يقارب 2.1 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء، نتيجة التوقف الكامل لمصادر التغذية، مشيرة إلى أن الخسائر الأولية التي تكبدها قطاع الكهرباء تجاوزت 728 مليون دولار، بفعل التدمير الواسع الذي طاول البنية التحتية.
وقالت الشركة إنّ قطاع الكهرباء كان من أكثر القطاعات تضرراً، بعد تدمير 80% من الآليات والمركبات و90% من المخازن إضافة إلى تضرر 70% من المباني والمقرات وتدمير أكثر من 70% من شبكات الكهرباء.
في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، اضطر الفلسطيني محمد العصار إلى تمديد خط كهرباء من أحد المولدات التجارية المنتشرة في المنطقة، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته، رغم أنه لا يمتلك أي مصدر دخل ثابت منذ أشهر طويلة.
وقال العصار لـ"العربي الجديد" إنه يدفع شهرياً أكثر من 250 شيكلاً (الدولار= 3.1 شواكل) مقابل كهرباء لا يتجاوز استخدامها الإضاءة وشحن الهواتف المحمولة، موضحاً أن سعر الكيلوواط الواحد وصل إلى نحو 20 شيكلاً، وهو رقم يفوق قدرة أي أسرة تعيش في ظروف النزوح والبطالة، ويعكس ارتفاعاً غير منطقي في الأسعار.
وأضاف: "هذه الزيادة المستمرة في أسعار كهرباء المولدات لا تتناسب مع انخفاض سعر لتر السولار، الذي يصل حالياً إلى نحو 20 شيكلاً للتر، فضلاً عن أن بعض الشركات بدأت باستخراج السولار الصناعي محلياً، ما يعني أن تكلفة إنتاج الكيلوواط أقل بكثير من السعر المفروض على المواطنين، معرباً عن أمله في أن يتم تنظيم هذا القطاع وخفض الأسعار بما يراعي أوضاع الناس.
والسولار الصناعي هو وقود ينتج محلياً بطرق بديلة اعتماداً على حرق البلاستيك وتكرير بدائي لمخلفات الوقود والزيوت الثقيلة، إضافة إلى زيوت مستعملة ومواد بترولية منخفضة الجودة، تتم معالجتها عبر عمليات تسخين وترسيب لفصل الشوائب وتحسين قابليتها للاستخدام في تشغيل المولدات.
ورغم أنّ هذا النوع من الوقود لا يعد بديلاً مثالياً من حيث الكفاءة أو السلامة البيئية، فقد أصبح ضرورياً في ظل شح السولار المستورد.
استثمار جيد، ولكن
مؤخراً، أصدرت سلطة الطاقة في غزة بياناً أعلنت فيه عن بدء خطوات تنظيم عمل مولدات الكهرباء التجارية، في إطار الجهود الرامية إلى ضبط هذا القطاع، وضمان الالتزام بالإجراءات الفنية ومتطلبات السلامة العامة وحماية المواطنين من الاستغلال. وأوضحت أن منح التراخيص للمولدات سيكون مشروطاً بالالتزام بالمعايير الفنية المعتمدة وتوفر شروط السلامة وعدم وجود مخالفات أو قضايا تفتيش مسجلة بحقها لدى شركة توزيع الكهرباء.
من جانبها، ذكرت الباحثة في الشأن الاقتصادي، سمر هارون، أن انتشار المولدات في قطاع غزة جاء استجابة لحاجة فرضتها الظروف، بعدما دمر الاحتلال الإسرائيلي أي فرصة لعودة التيار الكهربائي عبر المصادر الرسمية، ما دفع السكان للبحث عن بدائل بأي ثمن. وقالت هارون لـ"العربي الجديد" إن المولدات كانت موجودة في السوق قبل الحرب بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء، لكنها اليوم تحولت إلى ضرورة يومية، في ظل التوقف الكامل لعمل شركة توزيع الكهرباء، ما خلق اقتصاداً موازياً يعتمد على بيع الكهرباء بأسعار مرتفعة.
وأضافت: "الحلول البديلة، مثل الطاقة الشمسية، ما زالت محدودة بسبب القيود الإسرائيلية التي تمنع إدخال الألواح والمعدات، في حين تبقى المولدات العاملة على الوقود الخيار الأكثر انتشاراً، رغم أن سعر الكيلوواط الذي يصل إلى المواطنين يتراوح بين 20 و30 شيكلاً، وهو سعر مبالغ فيه ولا يعكس التكلفة الحقيقية".
وعزت هارون، ارتفاع الأسعار إلى عاملين رئيسيين، وهما ارتفاع تكاليف الوقود من جهة ووجود ممارسات احتكارية من بعض الشركات من جهة أخرى، موضحة أن متوسط ما تدفعه الأسرة الغزية للمولدات يقدّر بـ 300 شيكل شهرياً "وهو عبء ثقيل في ظل دخل يتراوح بين المعدوم والمنخفض". واعتبرت أن اقتصاد المولدات أنقذ الناس من الظلام، لكنه في الوقت نفسه يستنزف ما تبقى من قدرتهم على الصمود.
ويرى المهندس الكهربائي آدم حماد، أن الاستثمار في قطاع المولدات يمكن أن يكون عاملاً إيجابياً في حال جرى تنظيمه بشكل صحيح، مشيراً إلى أن تشجيع التنافسية بين الشركات قد يساهم في خفض الأسعار وتحسين جودة الخدمة، بدلاً من ترك السوق يعمل عشوائياً.
وقال حماد لـ"العربي الجديد" إن الحل الجذري لأزمة الكهرباء لا يمكن أن يعتمد على المولدات فقط، موضحاً أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تكون لإعادة ترميم البنية التحتية وشبكات الكهرباء، وإعادة تشغيل شركة توزيع الكهرباء تدريجياً "لأنّ المولدات مهما توسعت، لا يمكن أن تشكل بديلاً كاملاً عن المنظومة الرسمية للطاقة".