المونوريل المصري: مشروع مأزوم وشركة متورطة بالمستوطنات

31 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 05:33 (توقيت القدس)
الأشغال في مترو القاهرة، الجيزة، 18 أكتوبر 2022 (خالد دسوقي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أهداف المشروع: يهدف مشروع المونوريل في مصر إلى تحسين النقل الجماعي بربط العاصمة الإدارية الجديدة بالقاهرة الكبرى، مما يساهم في تقليل الازدحام وتقديم حل مستدام للتنقل.

- التحديات المالية والتأخيرات: يواجه المشروع تأخيرات متكررة بسبب ضغوط العملة الأجنبية وارتفاع التكاليف، مع تقدير التكلفة الإجمالية بـ4.1 مليارات يورو، بالإضافة إلى عقبات مالية تتعلق بالقروض وقيود الاستيراد.

- الجدوى الاقتصادية والانتقادات: يثير المشروع تساؤلات حول جدواه الاقتصادية بسبب تكلفته المرتفعة ومساره في مناطق غير مأهولة، مما يحد من عدد الركاب المحتملين، مع عدم تغطية العائدات للتكاليف الضخمة.

تروج الحكومة المصرية أن مشروع قطار المونوريل (نظام قطار يسير على سكة واحدة مرتفعة)، يمثل نقلة نوعية في قطاع النقل الجماعي، ويهدف إلى ربط العاصمة الإدارية الجديدة بمناطق القاهرة الكبرى، بما يقلل من الازدحام المروري، ويوفر حلاً مستداماً للتنقل؛ فيما يرى خبراء أن تكاليف المشروع الباهظة لا تتناسب مع الأولويات الاقتصادية للمواطنين، لا سيما مع تزايد الضغوط المعيشية بفعل الغلاء، ومحدودية الدعم الذي تقدمه الدولة في المقابل لقطاعات مهمة مثل الصحة والتعليم. فيما تبرز قضية مساهمة شركة فرنسية، متورطة في مشاريع بالمستوطنات الإسرائيلية.

وفي اجتماع حضره الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي، قبل أيام، تعهد وزير النقل كامل الوزير بافتتاح مشروع قطار المونوريل بمرحلتيه في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل؛ رغم تعهده سابقاً في أكتوبر/ تشرين الأول 2024 بتشغيل المشروع أمام الركاب في فبراير/ شباط 2025، ومن ثم وعده في ديسمبر/ كانون الأول 2024 بتشغيله في أبريل/ نيسان 2025.

تعهدات الوزير بتشغيل مشروع المونوريل لا تنتهي منذ عام 2022، الذي بدأت أعمال تنفيذ مرحلته الأولى (شرق النيل) في أغسطس/ آب 2019، وكان من المقرر الانتهاء منها في غضون 34 شهراً، أي في يونيو/ حزيران 2022، ومرحلته الثانية خلال 42 شهراً من بدء الأعمال في يناير/ كانون الثاني 2020، أي بحلول يوليو/ تموز 2023.

الاجتماع بحث تطورات الموقف التنفيذي لمشروع إنشاء قطار مونوريل شرق وغرب النيل، ومحطات الركاب الخاصة به، وتطورات أعمال رفع كفاءة الطرق الملاصقة لمساره، فضلاً عن سبل ضمان التكامل بين المشروع والأتوبيس الترددي أعلى الطريق الدائري.

المونوريل وتطوير منظومة النقل

يظل مشروع المونوريل "تائهاً" بين مواعيد التشغيل المتضاربة، وتباطؤ وتيرة التنفيذ لتخفيف ضغط الطلب على العملة الأجنبية؛ إذ تشير بيانات حكومية إلى أن تكلفته الإجمالية تقدر بنحو 4.1 مليارات يورو، أي ما يعادل 232.71 مليار جنيه (اليورو= 56.76 جنيهاً)، بخلاف ما صاحب المشروع من تكاليف إضافية تشمل تأهيل ورصف الطرق.

وعن قدرة المشروع على خدمة المواطنين، يقول وكيل لجنة النقل في مجلس النواب، النائب محمود الضبع، إن المونوريل يمثل خطوة مهمة في تطوير منظومة النقل الجماعي، وتخفيض استهلاك الوقود، ‏‏ومعدلات التلوث البيئي، إلى جانب تخفيف الاختناقات المرورية في محاور وشوارع القاهرة، بما يجذب المواطنين لارتياده بدلاً من استخدام سياراتهم الخاصة.

ويضيف الضبع في حديث خاص لـ"العربي الجديد" أن وزير النقل أخطر اللجنة البرلمانية قبل أشهر بأن سعر بطاقة قطار المونوريل لن يزيد عن 25 جنيهاً (نصف دولار تقريباً) للرحلة الواحدة في بداية التشغيل، وهو سعر تنافسي في ظل ارتفاع أسعار المواصلات، على أن يرتبط السعر بعدد المحطات، وإعادة النظر فيه كل عام، باعتبار أن المشروع يخضع لحسابات الربح والخسارة، وليس مدعوماً من الحكومة مثل مترو (قطار أنفاق) القاهرة.

ويكمل بقوله إن المسافة بين محطات قطار المونوريل متقاربة بمتوسط كيلومترين بين كل محطة وأخرى، الأمر الذي يسهل على الركاب الوصول إلى محطاته سيراً على الأقدام، سواء من منازلهم أو من أماكن عملهم، وعدم استخدام وسائل نقل بتكلفة إضافية، عازياً ارتفاع تكلفة تمويل المشروع إلى استيراد مكوناته من الخارج، واعتماده على تكنولوجيا حديثة، ونظم تحكم متطورة.

شركة مشبوهة

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد صدق، في إبريل 2021، على اتفاق تسهيل قرض بقيمة 1.88 مليار يورو بين هيئة الأنفاق المصرية، و"جي بي مورغان يوروب ليمتد" (وكيل التسهيلات)، وبنك "جي بي مورغان تشايس إن إيه" (فرع لندن)، ومؤسسات مالية أخرى، لسداد مدفوعات مشروع مونوريل العاصمة الإدارية. ونص الاتفاق على استخدام الهيئة مبلغ القرض من أجل رد مبالغ المدفوعات التي سددها المشتري لمقاول الهندسة والتوريد والتشييد، بالإضافة إلى سداد رسوم دعم الهيئة البريطانية لتمويل الصادرات الخاصة بالضمان الممنوح للمقرضين.

وعن طريق التعاقد بالاتفاق بالأمر المباشر، منحت مصر شركة ألستوم الفرنسية مهام تشغيل وصيانة مشروع المونوريل لمدة 30 عاماً، بما في ذلك توريد القطارات وأنظمة الإشارات والاتصالات والتحكم، بموجب عقدها المبرم مع الهيئة القومية للأنفاق. وينفذ المشروع تحالف مكون من ثلاث شركات هي: المقاولون العرب وأوراسكوم وألستوم الفرنسية. وتتولى الشركتان المصريتان بناء وتشييد الأعمال المدنية التي تضم المحطات والمسار، والشركة الفرنسية أعمال توريد وتركيب المعدات الكهروميكانيكية، وتصنيع وتوريد القطارات.

والشركة الفرنسية هي المسؤولة عن مشاريع تطوير المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية؛ ورغم ذلك تعمل بشكل وثيق مع وزارة النقل المصرية، منذ تولي كامل الوزير مهام الوزارة في 2019، على تطوير قطاع السكك الحديدية، ومشاريع المترو والمونوريل. وأدرجت ألستوم في قاعدة بيانات الأمم المتحدة للشركات التي مكنت أو سهلت أو استفادت من بناء المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية، وتوسعها في الضفة الغربية والقدس المحتلة. وتولت الشركة بناء وتشغيل قطار يمر بالقدس الشرقية، رابطاً المستوطنات الإسرائيلية بالقدس الغربية.

كلفة مرهقة

وفي إبريل الماضي، حصلت هيئة الأنفاق المصرية، وهي الجهة المالكة للمشروع، على قرض من تحالف بنوك محلية بقيمة خمسة مليارات جنيه، بهدف استكمال الأعمال الإنشائية بخطي المونوريل، وصرف المستحقات المتأخرة لشركات المقاولات العاملة في المشروع.

وسبق ذلك حصول الهيئة على قروض محلية لصالح المشروع قيمتها 11 مليار جنيه. وتتحمل الموازنة العامة المصرية أعباء القروض الدولية والمحلية الموجهة للمشروع، في حسابات مديونيات هيئة الأنفاق المملوكة بالكامل للدولة.

وحسب مصدر مطلع في وزارة النقل، واجه المشروع أيضاً عقبات تتمثل في فرض البنك المركزي قيوداً على الاستيراد بسبب أزمة نقص العملة، التي دفعت البنك إلى تحرير سعر الصرف أربع مرات بين عامي 2022 و2024، بما أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف مستلزمات التشغيل ومواد البناء. وأشار المصدر لـ "العربي الجديد" إلى تراجع وتيرة العمل بصورة كبيرة في مسار غرب النيل، مقارنة بمسار شرق النيل المؤدي إلى العاصمة الإدارية الجديدة، في ضوء عدم التزام الحكومة بالجدول الزمني لدفع مستحقات شركات المقاولات المحلية المنفذة للمشروع.

ويقول أستاذ هندسة الطرق في جامعة عين شمس، د. أسامة عقيل، إن وزارة النقل لم تتح للخبراء دراسات الجدوى الخاصة بمشروع المونوريل، والعائد المرجو منه، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن التكلفة في الدول المتقدمة باتت المعيار في المفاضلة بين وسائل النقل، بما في ذلك تكلفة نقل المواطن لمسافة كيلومتر واحد، ولذلك بدأ العالم يبتعد عن تنفيذ خطوط جديدة لمشروع المترو لارتفاع التكاليف وصعوبة استرداد الدولة لأموالها.

ويؤكد عقيل أن تكلفة مشروع المونوريل مرتفعة في مصر مقارنة بحافلات النقل السريع "بي آر تي"، الذي زاد انتشارها حول العالم كبديل لتوسعات المترو، وذلك لأن أجزاء من مسار المونوريل تمر في أراض صحراوية، وصولاً إلى العاصمة الإدارية الجديدة، وهي مناطق ليست مأهولة بالسكان في الوقت الراهن، ولكن الدولة تستهدف تنميتها مع مرور الوقت. ويكمل قائلاً إن قطار المونوريل المورد إلى مصر يتألف من أربع عربات، سعة كل عربة منها 50 راكباً بحد أقصى، أي أن القطار لن يسع إلا لعدد محدود من الركاب في نهاية المطاف، ومن ثم يوجد توقعات بأن العائد من بيع بطاقات الرحلات لن يغطي التكلفة الضخمة لإنشائه، في ظل ارتفاع مصاريف الصيانة والتشغيل اليومية.

في تصريح سابق لـ "العربي الجديد"، وصف وزير التنمية الإدارية الأسبق وأستاذ الهندسة بجامعة القاهرة الدكتور أحمد درويش مشروع المونوريل بأنه غير مجدٍ اقتصادياً لأنه يمتد نحو 92 كيلومتراً بمناطق واسعة وصحراوية في شرق العاصمة وغربها بينما وجدت هذه المشروعات في المدن شديدة الزحام كثيفة المباني كحل لمواجهة صعوبة الانتقال في مساحات ضيقة.