اليورو أمام ضغط استخدام الاتحاد الأوروبي للأصول الروسية المجمدة
استمع إلى الملخص
- مقترح المفوضية الأوروبية وتأثيره على اليورو: تقديم "قرض تعويضات" لأوكرانيا بضمان الأصول المجمدة يثير قلقًا بشأن مكانة اليورو كعملة احتياطية، مما قد يجعل المستثمرين مترددين في الاحتفاظ بأصول مقومة باليورو.
- ردود فعل المستثمرين والمخاوف القانونية: قلق المستثمرين من مصادرة الأصول الروسية وتأثيرها على اليورو، ورفض البنك المركزي الأوروبي دعم الخطة، مع مخاوف من تقويض سمعة أوروبا في احترام سيادة القانون.
حذر بعض مديري الصناديق من أن خطوة استخدام الأصول المجمّدة سترفع من المخاطر السياسية التي يحملها الاستثمار في الأصول المقوّمة باليورو، وقد تصل إلى حد التشكيك في مكانتها بكونها ملاذاً عالمياً آمناً.
وتختبر الخطة المثيرة للجدل التي تتبنّاها المفوضية الأوروبية لاستخدام الأصول السيادية الروسية المجمّدة بكونها ضماناً لما يصل إلى 210 مليارات يورو من القروض لأوكرانيا، إلى الحد الأقصى الإطارين، السياسي والقانوني، للاتحاد الأوروبي. لكنها قد تحمل أيضاً عواقب كبيرة على أسواق المال في التكتل.
ما الذي تقترحه المفوضية؟
تقترح المفوضية الأوروبية "قرض تعويضات" لكييف، يُمنح بضمان أصول البنك المركزي الروسي، التي يُحتفظ بمعظمها لدى مستودع الأوراق المالية البلجيكي "يوركلير"، وسيقترض الاتحاد الأوروبي المال من "يوركلير" ويُعيد إقراضه لأوكرانيا من دون فوائد. وتلتزم أوكرانيا سداد هذه الأموال بعد أن تدفع موسكو تعويضات ما بعد الحرب، على أن تُستخدم الأصول المجمّدة باعتبارها ضماناً. وتقول المفوضية ومستشاروها القانونيون إن هذا لا يرقى إلى مصادرة للأصول، لأن روسيا ستظل محتفظة بمطالبة قانونية على الأموال والأصول الأخرى.
وستبقي الخطوة القانونية التي تقترحها المفوضية على العقوبات التي جمّدت الأصول منذ الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/ شباط 2022 سارية إلى أجل غير مسمّى، لضمان عدم قدرة موسكو على استعادة الأموال قبل دفع التعويضات. ومع ذلك، ما زالت بعض الدول، وعلى رأسها بلجيكا، تبدي قلقاً حيال الخطة.
العلاقة باليورو؟
يعتبر اليورو ثاني أكبر عملة احتياطية في العالم، إذ تحتفظ البنوك المركزية بسندات منخفضة المخاطر مقوّمة باليورو مثل السندات الاتحادية الألمانية في "صناديق الأزمات" لديها. ووفق بيانات البنك المركزي الأوروبي لعام 2024، فقد شكل اليورو 20% من احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية حول العالم، مقارنة بـ58% للدولار.
ولطالما دعا صانعو السياسات إلى أن يلعب اليورو دوراً أكبر على الساحة الدولية، في ظل المخاوف التي أحاطت هذا العام بمكانة الدولار. لكن خطوة اللجوء إلى الأموال الروسية قد تجعل مديري احتياطيات البنوك المركزية وغيرهم من المستثمرين منخفضي المخاطر أكثر تردّداً في الاحتفاظ بأصول مقوّمة باليورو، إذا ما بدا أنها باتت أكثر عرضة لمخاطر العقوبات والتوترات الجيوسياسية.
ويقول المستثمرون إن الخطر يتمثل بنوع من "إعادة التقييم" شبيه بما واجهه الدولار في السنوات الأخيرة، بعدما دفعت مجموعة من العقوبات الأميركية وسياسات الإدارة الاقتصادية في عهد دونالد ترامب مديري الاحتياطيات إلى السعي لتنويع حيازاتهم، مثل شراء كميات قياسية من الذهب.
وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، ورئيس الخبراء الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، كينيث روغوف، لصحيفة فاينانشال تايمز، إن "هناك خطراً (من مثل هذه الخطوة) على الوضع الآمن لليورو"، لكنه أضاف أن العملة مهددة أيضاً بخطر "التوغّل الروسي المستقبلي على حدود أوروبا". ورأى روغوف أن مقترح المفوضية يشكل "طريقة معقولة" لتوفير التمويل لأوكرانيا، مضيفاً أن روسيا تستطيع مع ذلك التفاوض على السداد الكامل في إطار تسوية نهائية للحرب.
كيف يتفاعل المستثمرون؟
يرى بعض المستثمرين أن هناك خطراً في تقويض وضع اليورو بكونه ملاذاً آمناً، رغم أن العملة الموحدة ربحت أكثر من 12% أمام الدولار هذا العام.
وقال رئيس قسم الدخل الثابت والعملات في شركة إدارة الأصول الألمانية "يونيون إنفستمنت" (Union Investment)، كريستيان كوبف، لصحيفة فاينانشال تايمز، إن "مصادرة الأصول الروسية مسألة شديدة الحساسية". وأضاف أنه إذا كانت أوروبا تريد أن تتمتّع بوضع ملاذ آمن شبيه بسويسرا، "فلا يجب أن تتدخل في حقوق الملكية"، مشيراً إلى أن سيادة القانون كانت تاريخياً إحدى المزايا النسبية الكبرى لأوروبا.
وقال عضو لجنة الاستثمار في شركة إدارة الأصول "كارمينياك" (Carmignac)، كيفن توزِه لذات الصحيفة إن مثل هذه الخطوة "ستطرح تساؤلات عن وضع العملة بكونها عملة احتياطية"، مضيفاً أن العملة الموحدة قد تتضرر إذا بدأ المستثمرون يطالبون بـ"علاوة جيوسياسية" للاحتفاظ بأصول مقوّمة باليورو. لكن آخرين يرون أن روسيا حالة استثنائية، وأن السوق على دراية بمخاطر المصادرة منذ تجميد الأصول قبل ثلاث سنوات.
شكوك المركزي الأوروبي
وتنقسم انشغالات البنك المركزي الأوروبي إلى شقين. ففي نسخة مبكرة من خطة المفوضية، كان المقترح استخدام البنك المركزي مقرضاً أخيراً لـ"يوركلير". إذ يحتفظ هذا الأخير بمعظم الأصول الروسية المجمّدة، وقد يُصبح ملزماً بردّ الأموال لروسيا إذا نجحت في الطعن قضائياً في قرار التجميد.
ورفض البنك المركزي الأوروبي بشكل قاطع فكرة تقديم تعهد بالإقراض لتلك المؤسسة، معتبراً ذلك غير قانوني لأنه يرقى إلى تمويل مباشر للحكومات، وهو ما تحظره قوانين الاتحاد الأوروبي باعتباره "تمويلاً نقدياً".
ورغم أن المقترح الأحدث الصادر عن بروكسل لا ينص على دور فعّال للبنك المركزي الأوروبي، بوصفه مقرضاً أخيراً، فإن رئيسته كريستين لاغارد حذرت النواب الأوروبيين من أن الخطة تدفع في الحد الأدنى بحدود القانون الدولي. وقالت هذا الأسبوع إن المقترح "مشدود (إلى أقصاه)، على أمل أن يكون متوافقاً مع القانون الدولي"، مضيفة أن سمعة أوروبا العالمية قد تكون على المحك.
وقال كبير الخبراء الاقتصاديين في المصرف السويسري الخاص "جي سافرا سارسِن" (J Safra Sarasin)، كارستن يونيس، إن صورة أوروبا بوصفها منطقةً تتمتع باحترام قوي لسيادة القانون كانت من بين أهم أصولها في نظر المستثمرين العالميين. وإذا تقوّض ذلك، فقد يبحث مستثمرون في آسيا ومنطقة الخليج عن وجهات أخرى، ما قد يفضي إلى إضعاف اليورو على المدى المتوسط إلى الطويل.
وقال رئيس قسم الاقتصاد الكلّي في "معهد أموندي للاستثمار" (Amundi Investment Institute)، محمود برادان إن "رفض البنك المركزي الأوروبي توفير شبكة أمان أمر إيجابي لحماية وضع اليورو بكونه ملاذاً آمناً". وأضاف أن معارضة البنك المركزي الأوروبي لتوفير تلك الشبكة "ترسم خطاً فاصلاً واضحاً" بين سياسة البنك النقدية وبين دعم الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا.
الاتحاد الأوروبي والمخاوف
وتراجعت المعارضة في العواصم الكبرى داخل منطقة اليورو لأي خطوة لاستخدام الأصول، بحجة أنها قد تُزعزع استقرار الأسواق، تدريجياً مع استمرار الحرب لما يقرب من أربع سنوات.
ويجسد موقف برلين هذا التحوّل، فألمانيا كانت سابقاً تسير بخطى متوازية مع البنك المركزي الأوروبي في التحذير الصارم من أي خطط لاستخدام الأصول، لكن المستشار فريدريش ميرز أصبح اليوم القوة الدافعة وراء مقترح "قرض التعويضات".
وذلك يعود إلى ثلاثة عوامل، وفق مسؤولين ودبلوماسيين: أولاً، الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي كثّفت تواصلها مع كبار المستثمرين من خارج أوروبا لطمأنتهم إلى أن هذه الخطوة لن تعني تسليحاً جديداً لليورو، وأن أموالهم آمنة داخل منطقة العملة الموحدة. وثانياً، يقول مؤيّدو الخطة إن مقترح القرض متين قانونياً من ناحية أنه لا يرقى إلى مصادرة للأصول، وهو لا يزال خطاً أحمر لعواصم مثل برلين وباريس، لأن روسيا تحتفظ بمطالبة قانونية كاملة على المبلغ. وثالثاً، هناك إدراك سياسي بأن ميزانيات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعاني أصلاً من ضغوط شديدة، ولا توجد طريقة أخرى لتدبير المبالغ التي تحتاجها كييف للبقاء في حالة ملاءة مالية ومواصلة القتال في عامي 2026 و2027.