بريطانيا: التقشف يطرد 18 ألف موظف صحي

14 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 03:12 (توقيت القدس)
مقر هيئة الخدمات الصحية، المملكة المتحدة، 6 أغسطس 2025 (يونيفرسال/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- قررت حكومة حزب العمال في إنكلترا تسريح آلاف الموظفين في خدمات الصحة الوطنية لتقليل البيروقراطية وتوجيه الموارد نحو الرعاية الصحية المباشرة، مع تجاوز سقف الإنفاق العام لتعويضات تصل إلى مليار جنيه إسترليني.
- رفضت وزيرة الخزانة طلب تمويل طارئ إضافي، مما أدى إلى انتكاسة سياسية لوزير الصحة، وسمحت بتجاوز الميزانية الحالية مع اقتطاع المبلغ من مخصصات مستقبلية، مما أثار قلقاً بين الموظفين.
- انقسمت ردود الفعل بين مرحب ومعترض، حيث رحبت هيئة خدمات الصحة الوطنية بالتسوية، بينما أعربت النقابات عن قلقها من تداعيات القرار على استقرار المنظومة الصحية.

في خطوة تُعدّ أول اختبار مالي حقيقي لحكومة حزب العمال، تمضي إنكلترا في تنفيذ خطة واسعة لتسريح آلاف الموظفين في خدمات الصحة الوطنية، بعد التوصل إلى اتفاق مع وزارة الخزانة يقضي بالسماح بتجاوز سقف الإنفاق العام هذا العام لتغطية تعويضات تبلغ نحو مليار جنيه إسترليني.

تشمل الخطة نحو 18 ألف وظيفة إدارية وإشرافية ضمن عملية إعادة هيكلة تعيد هيئة خدمات الصحة الوطنية إلى وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية بحلول عام 2027، مع تقليص عدد موظفي المجالس الصحية المحلية بنسبة تصل إلى النصف. ووفق ما أفادت هيئة الإذاعة البريطانية، فإن الحكومة تسعى من خلال هذه الخطوة إلى خفض البيروقراطية وإعادة توجيه الموارد نحو الخطوط الأمامية في الرعاية الصحية، على أن تُعوَّض كلفة التسريحات في الأعوام المقبلة عبر وفورات تشغيلية.

وبحسب ما ذكرته صحيفة ذا غارديان البريطانية، رفضت وزيرة الخزانة رايتشل ريفز طلب وزير الصحة وِيس ستريتينغ بتخصيص تمويل طارئ إضافي بقيمة مليار جنيه إسترليني لتغطية كلفة التسريحات، مكتفية بالسماح لوزارة الصحة بتجاوز ميزانيتها الحالية على أن يُقتَطَع المبلغ من مخصصات عام 2026-2027. وجاء هذا الرفض بمنزلة انتكاسة سياسية واضحة لوزير الصحة الذي كان يضغط منذ أشهر لتأمين التمويل الكافي لإنهاء برنامج التقليص الذي يشمل نحو نصف عدد العاملين في المجالس الصحية المتكاملة، أي ما يقارب 12.5 ألف موظف من أصل 25 ألفاً.

ووفق ما نقلته صحيفة آيريش نيوز، فإن هيئة خدمات الصحة الوطنية ووزارة الخزانة ووزارة الصحة، خاضت مفاوضات مطوّلة حول كيفية تغطية الكلفة، بينما حذّر مسؤولو القطاع من أن التأخير يعمّق القلق بين الموظفين ويُربك خطط الإصلاح.

من جهتها، ذكرت "ذا غارديان" أن هيئة خدمات الصحة الوطنية طالبت الحكومة هذا العام بمبلغ ثلاثة مليارات جنيه إضافية لتغطية التكاليف الطارئة الناتجة عن إضرابات الأطباء المقيمين التي تستأنف هذا الأسبوع وارتفاع أسعار الأدوية إلى جانب التعويضات المقررة.

وقالت مصادر حكومية إن وزارة الخزانة اقترحت تمويل جزء من التسريحات في مقابل أن تتحمّل وزارة الصحة كلفة الأدوية المرتفعة، غير أنّ المباحثات تعثّرت بسبب الخلاف على تقديرات كلفة الأدوية. وألقى وزير الصحة البريطاني ستريتينغ خطاباً، أول من أمس الأربعاء، في مؤتمر مديري المستشفيات في مانشستر، وفق ما أفادت هيئة الإذاعة البريطانية، ليؤكد أن الحكومة "تحمي استثماراتها في النظام الصحي" بقيمة 29 مليار جنيه إضافي سنوياً حتى عام 2028.

وشدّد الوزير على أنّ الحكومة تسعى لتسريع وتيرة الإصلاح وإعادة رسم ملامح خدمات الصحة الوطنية عبر خفض البيروقراطية وإعادة توجيه الوفورات نحو الرعاية المباشرة للمرضى.

وقد انقسمت ردات الفعل بين مرحّب يرى في القرار خطوة عملية، ومعترض يخشى تبعاته على استقرار المنظومة الصحية، فمن جهته رحّب الرئيس التنفيذي لهيئة خدمات الصحة الوطنية، جيم ماكي، بالتوصل إلى تسوية مع وزارة الخزانة، معتبراً أنها تتيح المضي قدماً وتمنح الموظفين وضوحاً بشأن مستقبلهم. وعبّرت النقابات الصحية عن قلقها من تداعيات القرار، وقالت باتريشيا ماركويز من الكلية الملكية للتمريض إنّ خفض الوظائف على هذا النطاق الواسع لا يمثل إصلاحاً بل اقتصاداً زائفاً، لأن كثيراً من هؤلاء الموظفين يشرفون على برامج حيوية تربط بين قطاعات الصحة والرعاية الاجتماعية.

أما جون ريستل من اتحاد "مديرون في الشراكة"، فأشار إلى أنّ إلغاء وظائف مرتبطة بالتخطيط الرقمي والرعاية المستمرة يُقوّض الخطة الصحية العشرية التي وضعتها الحكومة، وحذّر من أن السرعة في التنفيذ قد تخلّ باستقرار الخدمات الحيوية. كذلك، أعربت نقابتا يونيسون وجي إم بي (GMB - إحدى أكبر النقابات العمالية في بريطانيا وتمثل العاملين في قطاعات الصحة والخدمات العامة)، عن استيائهما من القرار، وقالتا إنّ "الاعتماد على خفض الوظائف مصدرَ تمويلٍ يهدد البنية المؤسسية للخدمات العامة ويدفعها إلى فوضى تشغيلية يصعب تداركها".

يأتي ذلك بعد أكثر من عقد على الإصلاحات التي أطلقها الوزير المحافظ أندرو لانسلي عام 2012، حين أُنشئت هيئة مستقلة تهدف إلى تحصين النظام الصحي من التدخلات السياسية وضمان استقلاله الإداري، تعود اليوم المركزية إلى قلب وزارة الصحة في مشهد يرى فيه مراقبون انعكاساً لعودة السلطة السياسية إلى منظومة كان يُفترض أن تتحرّر من وصايتها لا أن تعود إلى أحضانها.

المساهمون