استمع إلى الملخص
- تفاقمت مشكلة الاستطباب الذاتي، خاصة مع المضادات الحيوية، بسبب بيع الأدوية عبر الإنترنت، مما يشجع السلوك الاستهلاكي الخاطئ ويعرض المستهلكين لمخاطر صحية.
- حذرت جمعية حماية المستهلك من المكملات الغذائية المقلدة التي تُباع عبر الإنترنت، حيث تُصنع في ورشات سرية وتُباع بأسعار مرتفعة، مع تحديات في الإبلاغ عن الانتهاكات بسبب غياب مكاتب رسمية لشبكات التواصل الاجتماعي.
مع توسع التجارة الإلكترونية وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، بدأت في الجزائر ظاهرة بيع الأدوية والمكملات الغذائية عبر الإنترنت تأخذ أبعاداً خطيرة، ما يجعل هذا النوع من الممارسات لا يشكل انتهاكاً للقانون الجزائري فقط، بل يهدد كذلك الصحة العامة للمواطنين، ويزيد من انتشار السلوكات الاستهلاكية الخاطئة، خصوصاً في مجال "الاستطباب" الذاتي، والمضادات الحيوية، والمكملات الغذائية المقلدة. وحذر كريم مرغمي من تفاقم ظاهرة بيع الأدوية عبر الإنترنت، مؤكداً أنها غير قانونية وتشكل تهديداً مباشراً للصحة العمومية. وأوضح أن القانون الجزائري للتجارة الإلكترونية، ولا سيما القانون رقم 18-05 المتعلق بالتجارة الإلكترونية، يمنع صراحة بيع المواد الصيدلانية خارج الإطار الرسمي المتمثل في الصيدليات، ومن ثم تُعدّ كل الممارسات المسجلة اليوم من عروض دواء على منصات التواصل الاجتماعي غيرَ قانونية.
وأشار مرغمي في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد" إلى أن هذه الظاهرة ليست مجرد مخالفة قانونية، بل تحمل مخاطر صحية كبيرة؛ فغالبية الأدوية المتداولة عبر الإنترنت مجهولة المصدر، مقلدة أو مهربة، كتلك المستوردة من قبل ما يعرف بتجار الشنطة. ومن ثم تثير الشكوك حول مسار دخولها أو طريقة تخزينها ونقلها، مما يجعلها خطراً على المستهلك. وأضاف: "هذا الوضع يستدعي تدخل الجهات المختصة، خاصة الأمنية والقضائية، لمحاربة هذه الظاهرة ومواجهة آثارها". وعلى هذا الأساس، أكد مرغمي أن الصيدلي هو المخول قانونياً لبيع الأدوية، وأن مهمته ترافقها استشارات دقيقة حول نوع الدواء، الجرعات، التفاعلات الدوائية، النصائح المتعلقة بالاستخدام الصحيح، وهو ما لا يمكن الحصول عليه عند شراء الدواء عبر الإنترنت. ولفت إلى أن بعض المستهلكين يستخدمون أدوية مثل الكورتيزون بهدف زيادة الوزن أو الهرمونات لبناء العضلات من دون رقابة طبية، ما يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة تشمل أمراض الكلى والسكري وهشاشة العظام.
تفاقم الاستطباب الذاتي
وأكد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن عيّة أن ظاهرة الاستطباب الذاتي أصبحت مشكلة متفاقمة في الجزائر، خاصة في ما يتعلق بالمضادات الحيوية، في وقت يحذر فيه المختصون من أن الإفراط في استعمالها يحول الدواء إلى داء. وأشار المتحدث في تصريح لـ"العربي الجديد" إلى أن بعض المواطنين يتعاملون مع الأدوية كما لو كانت منتجات استهلاكية عادية، متجاهلين دور الصيدلي في تقديم المعلومات الدقيقة حول الجرعات والاستخدام الآمن. وأضاف أن بيع الأدوية عبر الإنترنت يشجع السلوك الاستهلاكي الخاطئ، حيث يعتقد البعض أن هذه المنتجات تحمل خصائص خارقة لم تثبت علمياً، بينما الواقع أن معظمها مقلد أو مجهول المصدر، ما يعرض صحة المستهلكين لمخاطر كبيرة. وذكر الخبير عبد الرحمن عيّة أن التحكم في التجارة الإلكترونية تبرز أهميته عند الحديث عن المواد الحساسة وعلى رأسها الأدوية، لافتاً إلى أن ندرة بعض الأدوية الأجنبية غير المتوفرة في السوق المحلي يدفع المرضى، أملاً في الشفاء، إلى البحث عنها عبر منصات التواصل الاجتماعي بأسعار مرتفعة، تصل أحياناً إلى عشرة أضعاف السعر الحقيقي.
مكملات مقلدة تبيع الوهم
ضمت جمعية حماية المستهلك وإرشاده صوتها إلى الأصوات التحذيرية من الظاهرة، حيث دق الناطق الرسمي لها، فادي تميم، ناقوس الخطر بشأن انتشار المكملات الغذائية المقلدة على الفضاء الرقمي، والتي يروجها أحياناً بأنها تعالج أمراضاً مزمنة وخطيرة مثل السرطان، فضلاً عن الأدوية العادية، معتبراً ذلك "بيعاً للوهم". وأوضح أن المكمل الغذائي يبقى مكملاً وليس دواء، وأي منتج لا يباع في الصيدليات أو المحلات المعروفة يثير الريبة. وكشف المتحدث لـ"العربي الجديد" أن التحقيقات الميدانية أثبتت أن بعض هذه المواد الصيدلانية مقلد وينتج في ورشات سرية، آخرها تلك التي اكتشفتها السلطات الرقابية في ولاية بومرداس (شرق الجزائر العاصمة)، حيث كانت تقوم بتصنيع مواد دوائية وتقليد تغليف منتجات عالمية مشهورة وبيعها عبر الإنترنت بغرض الربح السريع.
وأشار تميم إلى أن الجمعية تتلقى شكاوى متكررة من مستهلكين تعرضوا لمضاعفات صحية بسبب هذه المكملات، وأحياناً تحتوي على أدوية مطحونة مضافة بشكل عشوائي، ما يؤدي إلى مشكلات صحية خطيرة مثل احتباس السوائل في الجسم، بينما يلجأ التجار عبر الإنترنت إلى استخدام تقنيات لتجنّب الملاحقة، مثل تغيير الهواتف وعناوين الإنترنت. كما أن غياب مكاتب رسمية لشبكات التواصل الاجتماعي في الجزائر يعرقل عملية الإبلاغ والإغلاق الفوري لهذه الصفحات مقارنة بالدول الأوروبية، حيث يتم التعامل مع هذه الانتهاكات خلال ساعات، في حين أن الإجراءات المحلية قد تستغرق أسابيع، مما يزيد من استغلال هذه الثغرات.
وأضاف أن شبكات الترويج عبر الإنترنت أصبحت تستغل نقاط ضعف المرضى لتسويق منتجات مزيفة، مشيراً إلى حالات بيع خواتم قيمتها الحقيقية لا تتجاوز 70 ديناراً بأسعار تصل إلى ألفي دينار مع ادعاء أنها تشفي أمراضاً مزمنة، واصفاً الأمر بـ"الكارثة بكل المقاييس". وعلى الرغم من ذلك، تقوم الجمعية - كما يقول المتحدث - من فورِ تلقيها أي شكوى بالتحري والتنسيق مع المصالح الأمنية من أجل تتبع الصفحات أو الأشخاص المروجين. فقد باشرت في عدة مرات تحليل عينات من منتجات مثل المنحفات والمسمنات والمكملات الخاصة بالرجال، واكتشفت أن بعضها يحتوي مواد غير صحية دعت إلى سحبها من السوق ومتابعة أصحابها. وأشار تميم إلى أن الإعلانات الرقمية تمارس ضغطاً نفسياً كبيراً على المرضى، حيث تظهر لهم إعلانات جديدة بشكل متكرر، مما يدفع بعضهم إلى "التعلق بقشة" في لحظة ضعف صحية أو نفسية.