استمع إلى الملخص
- يُعتبر النفط الركيزة الأساسية للاقتصاد الفنزويلي، ومع فرض واشنطن حظراً شاملاً في 2019، تراجعت الإنتاجية بشكل كبير، مما أجبر الشركات الأوروبية على وقف عملياتها أو البحث عن بدائل معقدة.
- تعاني فنزويلا من أزمة في قطاع التكرير، مما يضطرها لاستيراد مواد وسيطة، وتواجه تحديات كبيرة في الحفاظ على التبادل التجاري مع أوروبا، مما يدفعها نحو الأسواق الآسيوية.
أعلن الممثل التجاري للاتحاد الأوروبي في فنزويلا أن واردات التكتّل من النفط الخام الفنزويلي ستتوقف في 2025، بعد أكبر تراجع لها منذ 2024، عقب قرار الولايات المتحدة إلغاء التراخيص التي كانت تتيح لشركات النفط الأوروبية العمل هناك رغم الحظر. ويزيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضغوط على فنزويلا في إطار مساعيه لإطاحة الرئيس نيكولاس مادورو عبر عقوبات اقتصادية، كما عزّز الوجود العسكري الأميركي في الكاريبي رسمياً ضمن عملية لمكافحة المخدرات.
ويُطبق حظر النفط الفنزويلي منذ 2019، لكن واشنطن خفّفته في 2023 عبر تراخيص سمحت بمواصلة العمل. ثم ألغى ترامب هذه التراخيص جميعها في مايو/أيار، باستثناء إعفاء جديد مُنح لشركة "شيفرون" الأميركية في يوليو/تموز مع بعض القيود. ولم تعلن شركات النفط الأوروبية رسمياً ما إن كانت حصلت على شروط جديدة لمتابعة عملياتها في فنزويلا. وقال خايمي لويس سوكاس، ممثل التجارة الأوروبية في كاراكاس، إن واردات الاتحاد الأوروبي من النفط الفنزويلي ستتراجع بنسبة 75% هذا العام، من 1,535 مليار يورو في 2024 إلى 383 مليوناً في 2025. وتعاني فنزويلا من مشاكل مزمنة في التكرير أدت إلى نقص متكرر في الديزل والبنزين، ما يدفعها لاستيراد النافتا (المستخدمة في إنتاج الوقود) من شركات أوروبية.
وبلغت قيمة هذه الواردات 72 مليون يورو، بتراجع قدره 76 مليونا عن 2024. وتندرج واردات المشتقات البترولية المستخدمة في إنتاج الوقود ضمن إطار تخفيف الحظر الذي تزامن مع مفاوضات سياسية عام 2023. ويتوقع سوكاس في 2026 ارتفاعاً بنسبة 35% في مبيعات النافتا الأوروبية لفنزويلا، مقابل انخفاض بنسبة 78,8% في واردات النفط الخام. وقال خلال منتدى في كاراكاس: "قد تكون هناك شحنات متفرقة إلى أوروبا، لكن ذلك سيعتمد على سيناريوهات منح التراخيص (من الولايات المتحدة) للمشغّلين الأوروبيين الناشطين في صناعة النفط الفنزويلية". وأشار سوكاس إلى أن تراجع واردات النفط ينعكس على القوة الشرائية لفنزويلا ويؤدي إلى انخفاض صادرات الاتحاد الأوروبي إليها، بما يشمل الأدوية والآلات وقطع الغيار والمعدات الكهربائية والمستحضرات النباتية وغيرها.
النفط الركيزة الأساسية في الاقتصاد الفنزويلي
يُعدّ النفط الركيزة الأساسية للاقتصاد الفنزويلي منذ اكتشافه في مطلع القرن العشرين، إذ يشكّل أكثر من 90% من عائدات التصدير ونحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد اعتمدت الدولة لعقود على العائدات النفطية لتمويل الإنفاق العام ودعم الواردات والسلع الأساسية. غير أنّ هذا الاعتماد الأحادي جعل الاقتصاد هشّاً أمام أي تقلبات في الأسعار أو تغيّرات في البيئة الجيوسياسية. منذ عام 2017، بدأت الأزمة الاقتصادية في فنزويلا تتعمّق بشكل غير مسبوق، إثر العقوبات الأميركية على شركة النفط الوطنية PDVSA، ما أدّى إلى تراجع الإنتاج النفطي من نحو 2.5 مليون برميل يومياً إلى أقل من 800 ألف برميل خلال السنوات اللاحقة.
وبحلول عام 2019، فرضت واشنطن حظراً شاملاً على صادرات النفط الفنزويلي في محاولة لخنق نظام نيكولاس مادورو مالياً ودفعه إلى التنازل عن السلطة. ومع ذلك، ظلت بعض الشركات الأوروبية، مثل إيني الإيطالية وريبسول الإسبانية، تستفيد من استثناءات محدودة سمحت لها بمواصلة العمل وتبادل النفط مقابل الديون أو المساعدات الإنسانية. وفي عام 2023، وتحت ضغوط ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً بعد الحرب في أوكرانيا، قامت إدارة واشنطن حينها بتخفيف مؤقت للعقوبات، ما سمح بعودة جزئية لتصدير النفط الفنزويلي إلى أوروبا والولايات المتحدة عبر تراخيص خاصة. وقد شكّل ذلك نافذة إنعاش مؤقتة للاقتصاد الفنزويلي، إذ زادت إيرادات الدولة، وارتفعت قيمة العملة المحلية قليلاً، كما تحسّنت القدرة على استيراد الوقود والمعدات الصناعية.
لكن مع وصول دونالد ترامب مجدداً إلى البيت الأبيض واعتماده سياسة أكثر تشددًاً تجاه كاراكاس، تمّ إلغاء جميع التراخيص في مايو 2025، ما أعاد فنزويلا إلى نقطة الصفر. فالشركات الأوروبية، التي كانت تستورد جزءاً محدوداً من النفط الخام، وجدت نفسها مضطرة لوقف العمليات أو البحث عن بدائل قانونية معقّدة عبر وسطاء آسيويين. تزامن هذا التراجع في المبيعات مع أزمة داخلية حادة في قطاع التكرير الفنزويلي، الذي يعاني من ضعف الاستثمارات وانهيار البنية التحتية. ولأن البلاد تفتقر إلى قدرة كافية لتكرير النفط الخام، فهي تضطر لاستيراد مواد وسيطة مثل النافتا من الأسواق الأوروبية لتشغيل المصافي المحلية وإنتاج الديزل والبنزين. غير أن القيود الأميركية الجديدة تهدد حتى هذا النمط المحدود من التبادل التجاري.
أما على الصعيد الأوروبي، فإن تقليص الاعتماد على النفط الفنزويلي لن يكون ذا أثر كبير في الميزان الطاقوي الكلي للاتحاد، لكنه يعكس عودة الاصطفاف الكامل خلف السياسة الأميركية في العقوبات الاقتصادية، بعد مرحلة قصيرة من الانفتاح الحذر على كاراكاس خلال 2023–2024. لذلك، تكشف الأزمة الحالية عن تداخل النفط والسياسة في معادلة الاقتصاد الفنزويلي: فكل قرار أميركي بشأن العقوبات يُترجم فوراً في سعر العملة المحلية، في الإيرادات العامة، وفي قدرة البلاد على الاستيراد والإنتاج. ومع استمرار الحظر وتراجع التراخيص، يبدو أن فنزويلا تتجه نحو مرحلة جديدة من الانكماش والاعتماد على الأسواق الآسيوية، لا سيما الصين والهند، باعتبارها منافذ رئيسية لتصريف نفطها بعيداً عن أوروبا والغرب.
(فرانس برس، العربي الجديد)