تركيا: التضخم يأكل زيادات الأجور ويُضعف القوة الشرائية

02 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 16:33 (توقيت القدس)
مشهد يظهر حشوداً تتسوق في سوق أولوس في أنقرة، 19 مارس 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- التحديات الاقتصادية وزيادة الأجور في تركيا: لم تواكب زيادة الأجور، خاصة الحد الأدنى، نسبة التضخم، مما يضع الحكومة أمام خيارين: زيادة الأجور أو تقديم دعم مباشر لتقليل الفجوة بين المصروفات والأجور.

- التضخم وتأثيره على الأجور والمعيشة: في 2025، تراجعت القوة الشرائية للعمال بسبب عدم مواكبة الأجور للتضخم، حيث ظل مؤشر أسعار المستهلك أعلى من 30%، مما أبرز ضعف الأجور مقارنة بتكاليف المعيشة.

- استراتيجيات الحكومة لمواجهة التضخم: تركز الحكومة على خطط بديلة لتحسين المعيشة دون رفع الأجور، مثل خفض التضخم والضرائب وزيادة الدعم المباشر، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والقطاع الزراعي.

لم تواكب زيادة الأجور، وخاصة الحد الأدنى للعاملين بالقطاع الخاص، غلاء الأسعار ونسبة التضخم في تركيا، ما يضع الحكومة اليوم أمام خيارين محددين: أن تزيد الحد الأدنى للأجور مرة أخرى كما فعلت خلال الأعوام السابقة، أو أن تبحث عن طرق دعم مباشر تجسر من خلالها الفجوةَ المتسعةَ بين مصروف الأسرة، الذي يزيد عن 120 ألف ليرة، ومتوسط أجور القطاع الحكومي البالغ نحو 70 ألف ليرة، والحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص الذي لا يتجاوز 28 ألف ليرة تركية.

ربط الأجر بالتضخم

قرنت تركيا منذ عام 2022 وحتى 2024 الحدَّ الأدنى للأجور بنسبة التضخم، فكلما ارتفعت نسبة تضخم أسعار المستهلك عن الزيادة المقررة مطلع العام، رفعت الأجور مجدداً في شهر يوليو/ تموز لتوازي نسبة التضخم أو تتجاوزها، في محاولة للحفاظ على القدرة الشرائية للأتراك ومستواهم المعيشي.

وجاءت زيادتان منفصلتان للأجور خلال عامي 2022 و2023، تعويضاً لخسائر الحد الأدنى للأجور نتيجة التضخم المرتفع. إلا أن إلغاء الزيادة الثانية عام 2024 غيّر مسار مواجهة الأجور للتضخم، وبدأ يؤثر سلباً في القدرة الشرائية الحقيقية، ما عرّى الأجور أمام ارتفاعات الأسعار ونسبة التضخم المتصاعدة.

ففي عام 2021، ورغم زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 21.6% في بداية العام، ارتفع التضخم إلى 36.1% بنهاية العام، وبالتالي تأخرت زيادات الأجور عن ارتفاع الأسعار، ما أضعف القوة الشرائية الحقيقية للعمال. وقد تنبهت الحكومة التركية حينها لضرورة رفع أجور من هم دون خط الفقر، واعتمدت خلال عامي 2022 و2023، واستجابةً لتسارع التضخم، رفع الحد الأدنى للأجور مرة أخرى خلال العام، لتصل الزيادة عام 2022، بعد دمج زيادتي رأس السنة وتموز/ يوليو، إلى نحو 94.7%، في حين سجل التضخم في ذلك العام نسبة 64.3%.

وفي عام 2023، وصلت نسبة الزيادتين على الحد الأدنى لأجور العمال بالقطاع الخاص إلى 107.3%، في حين بلغ معدل التضخم 64.8%، ما يعني أن أصحاب الحد الأدنى للأجور حققوا حينها مكاسب حقيقية برقمين.

توقف العمل بنظام الزيادتين

لكن منذ عام 2024، توقف العمل بنظام الزيادات المؤقتة في الأجور، وأُعيد العمل بزيادة سنوية واحدة بمناسبة رأس السنة. وبلغت زيادة مطلع 2024 نحو 49.1%، وهي أعلى بقليل من معدل التضخم البالغ 44.4%. إلا أن الوضع تبدل في عام 2025، إذ بدأ الخلل يظهر، ولم يواكب رفع الحد الأدنى للأجور، البالغ 30%، نسبة التضخم التي وصلت إلى 30.89%.

وتكرر عجز دخل العامل التركي خلال النصف الأول من العام الجاري، فبينما بلغت نسبة زيادة مطلع العام الجاري 27.1%، ووصل الحد الأدنى للأجور إلى 28,075 ليرة تركية صافية، استمرت الزيادات في الأسعار في تجاوز الزيادة في الأجور.

ووفقاً لبيانات نظام بيانات التضخم التابع للبنك المركزي التركي، ظل مؤشر أسعار المستهلك السنوي أعلى من 30% في النصف الأول من العام، ليصل إلى 31.75% في يوليو/تموز، متجاوزاً بذلك زيادة الحد الأدنى للأجور بنحو 4.7 نقاط، فيما يرتفع متوسط خط الفقر والجوع إلى أضعاف الحد الأدنى للأجور.

مقارنة بين زيادة الحد الأدنى للأجور ومعدل التضخم في تركيا (2021-2025)
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

وكشف التضخم، إلى جانب تراجع القيمة الشرائية لليرة التي هبطت إلى ما دون 48 ليرة للدولار، ضعف الأجور في تركيا مقارنة بنفقات العيش الأساسية، بما في ذلك أجور موظفي القطاع الحكومي الذين يتراوح متوسط أجورهم بين 65 و70 ألف ليرة تركية، مع تفاوتها بحسب الدرجة الوظيفية وسنوات الخبرة، وحتى المنطقة وتكاليف المعيشة فيها.

ويبدأ الحد الأدنى لأجور العاملين بالدولة من 54 إلى 70 ألف ليرة تركية للدرجات الإدارية المبتدئة، ويرتفع أجر شريحة المعلمين ليتراوح بين 75 و82 ألف ليرة، ورواتب الشرطة والأمن بين 81 و91 ألف ليرة، وأساتذة الجامعات بين 135 و151 ألف ليرة، فيما يصل راتب الأطباء المتخصصين إلى 169 ألف ليرة.

في المقابل، لا يتجاوز الحد الأدنى لرواتب العاملين بالقطاع الخاص 28 ألف ليرة بعد زيادة مطلع العام الجاري بنسبة 27.1%، فيما يبقى سقف الأجور في القطاع الخاص مفتوحاً بحسب طبيعة العمل والشركة والتخصص، إذ يصل في بعض المصارف وشركات التأمين إلى أكثر من 250 ألف ليرة. وأمام هذه الأجور، تقفز تكاليف معيشة الأسرة التركية إلى أكثر من 120 ألف ليرة شهرياً، وفق بيانات رسمية واستطلاعات رأي أجرتها شركات متخصصة تركية.

ووفق أحدث بيانات اتحاد نقابات العمال التركي "Türk-İş"، سجلت مؤشرات تكاليف المعيشة وحدّي الجوع والفقر لأسرة مكونة من أربعة أفراد مستويات جديدة مرتفعة قياساً بالعام الماضي. وبلغ حدّ الجوع، وفق دراسة الاتحاد، نحو 37,388 ليرة تركية شهرياً، وهو المبلغ الإلزامي الواجب إنفاقه لتوفير غذاء صحي وكافٍ فقط لأسرة من أربعة أفراد، في حين وصل حد الفقر إلى 121,786 ليرة تركية شهرياً، وهو المقياس الشامل الذي يغطي تكاليف الغذاء إلى جانب السكن والفواتير والتعليم والصحة والنقل وسائر المستلزمات الأساسية للأسرة. حتى تكاليف معيشة الفرد "الأعزب" فاقت الحد الأدنى للأجور بالقطاع الخاص، إذ سجلت نحو 45,488 ليرة تركية.

مبنى البنك المركزي التركي، أنقرة، 15 إبريل 2025 (أوغور يلدريم/Getty)
اقتصاد دولي
التحديثات الحية

بين نارين

في السياق، يقول المحلل التركي يوسف كاتب أوغلو إن التضخم المستورد، خاصة بعد الأزمات والحروب وغلاء أسعار الطاقة، عرّى بالفعل الحد الأدنى للأجور، وباتت مصاريف الأسرة التركية تفوق الرواتب في القطاعين العام والخاص، لكنه يشير إلى ضرورة التركيز على نقطتين أساسيتين عند بحث هذا الأمر.

أولاهما أن قلة قليلة، تكاد تكون معدومة، من الأتراك تتقاضى الحد الأدنى للأجور البالغ 28 ألف ليرة، لأن هذا المبلغ وُضع أساساً حدّاً لا يجوز أن يقل عنه أجر أي عامل. أما الثانية، فهي أنه نادراً ما يعمل في الأسرة التركية شخص واحد فقط، ما يعني أن أجرين أو أكثر يساعدان الأسرة على تحمل ارتفاع الأسعار وزيادة الإنفاق.

وحول تزايد مطالبة برلمانيين بتحسين الدخول ورفع الأجور مجدداً هذا العام، خاصة بعد صدور بيانات تضخم لم تنخفض كما وعدت الحكومة، يضيف كاتب أوغلو لـ"العربي الجديد" أن تجربة زيادة الأجور مرتين في السنة باتت مستبعدة، لأنها لم تُحسّن معيشة الأتراك بقدر ما أثّرت في خطط الحكومة لكبح التضخم، بعد أن زادت الكتلة المالية المتداولة في السوق، وهو ما استغله بعض التجار لرفع الأسعار.

ومع ذلك، يشير كاتب أوغلو إلى وجود خطط حكومية من شأنها تحسين مستوى المعيشة من دون رفع الأجور، من بينها الاستمرار في خفض التضخم، لأن كبحه يحافظ على القيمة الحقيقية للأجور ويحسّن القوة الشرائية لليرة، إلى جانب خفض الضرائب وزيادة حزم الدعم المباشر عبر تثبيت أو تخفيض أسعار الطاقة وأجور النقل. كما اعتمدت الحكومة التركية خلال العام الجاري التوجه نحو الدعم المباشر للشركات الصغيرة والمتوسطة، ودعم القطاع الزراعي، لما لهذين القطاعين من دور في زيادة احتياجات السوق من السلع والمنتجات، وأهمية في زيادة تشغيل العمالة.