تعديلات قانون الضمان الاجتماعي تربك حسابات الأردنيين
- تسعى الحكومة لإصلاح النظام من خلال حوارات مع النقابات والمجتمع المدني لمعالجة الخلل المالي الناتج عن التقاعد المبكر، مؤكدة على أهمية الإصلاحات لتجنب كلفة مستقبلية أكبر.
- أثارت التعديلات نقاشات حول مصداقية الدولة، مع تعهد الحكومة بتطبيقها تدريجياً حتى 2047، مع تشديد الرقابة على استثمارات الضمان.
تقول المواطنة الأردنية ندى: "كنت أخطط لترك العمل والخروج إلى التقاعد والاهتمام بأموري الشخصية بعد أكثر من 15 سنة من العمل المتواصل"، إلا أن التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، الصندوق التقاعدي الأكبر في الأردن، تعني بحسب فهم ندى للتعديلات المقترحة ثلاث سنوات إضافية في العمل.
وهذا يربك كل حساباتها. أما ناصر ذو الراتب المتوسط فيجادل: ما ذنبي وأنا اقتربت من "نقطة التعادل"، وهو يكرر هذا المفهوم من دون إدراك كامل لما يعنيه ذلك في ما يخص تساوي الاشتراكات التأمينية مع نفقات مؤسسة الضمان، فهو يقول : "عملت بجد وكنت أدفع اشتراكاتي بانتظام، وحينما اقتربت ساعة التقاعد تخرج مقترحات تعديل القانون الذي أدرك أنه لن يكون في صالحي في ظل غياب فهم واضح لطبيعة التغييرات التي ستطاول القانون وكيف ستؤثر على من اقتربوا من سن التقاعد المعمول به الآن".
وما بين ندى وناصر لا يشغل نهارات الأردنيين وموائد إفطارهم أكثر من هذا الموضوع الشائك، إذ أعلنت الحكومة عبر أكثر من وسيلة إعلامية أنها بصدد تعديل بنود بعض القانون، وأبرز التعديلات المقترحة هي زيادة عدد الاشتراكات لتصبح 360 اشتراكاً بغض النظر عن السن، وثاني أبرز التعديلات تتعلق برفع سن التقاعد إلى 65 عاماً للرجال و60 للنساء، بالإضافة إلى السعي لتوسيع مظلة الضمان وفرض حد أدنى من الاشتراكات لتقاعد الشيخوخة، وهناك أيضاً تعديلات لتعزيز استقلالية وحوكمة منظومة العمل للحد من التدخلات بما يشبه استقلالية البنك المركزي في الأردن.
وقاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي شبه الحكومي والذي تشارك فيه النقابات المهنية والعمالية جلسات حوارية للاستئناس برأي الخبراء والتوصل إلى صيغ توافقية حول مشروع القانون الذي يجب أن يمر من خلال مجلس النواب الذي يتوقع أن يشهد نقاشات مستفيضة حول كل بنوده وسيشكل ساحة لاستقطابات سياسية واجتماعية.
القصة كلها بدأت عندما أُعلِنَت دراسة اكتوارية (تقدير المخاطر المالية المستقبلية) أجرتها منظمة العمل الدولية لصالح مؤسسة الضمان الاجتماعي، وحذرت فيها أن هناك غياباً في التوازن ما بين سنوات الخدمة والاشتراكات التأمينية وما يستحق من رواتب تقاعدية، وحال استمرار الوضع على ما هو عليه فإن الاستدامة المالية للضمان ستصبح مهددة، إذ وفقاً للدراسة فإن القانون الحالي يسمح بما يعرف بـ"التقاعد المبكر"، وهو يعني اتخاذ قرار مغادرة سوق العمل بعد الوفاء بعدد من الاشتراكات بغض النظر عن العمر من قبل المستفيد، وهو ما يعني فقدان مساهمة المشتركين والبدء بصرف راتب تقاعدي قد يمتد لعقود، وبما يتجاوز حجم الاشتراكات، والفارق يُغطى من العائد الاستثماري الذي لا يكفي في الغالب وينجم عنه نزيف مالي يمتد لسنوات على صعيد المؤسسة.
وأصبحت نسبة التقاعد المبكر (63% من إجمالي المتقاعدين) تتجاوز نسبة المتقاعدين العاديين، وهو ما يعكس خللاً واضحاً وعيباً في القانون النافذ. الحكومات السابقة كانت تدرك هذا الخلل الكامن في القانون والذي سبق أن تم التحذير منه في دراسات اكتوارية سابقة، لكنها نأت بنفسها عن هذا الملف، ويُحسب للحكومة الحالية ووزير العمل النشط فيها خالد البكار الأخذ بزمام المبادرة والانخراط في سلسلة نقاشات مفتوحة تشير إلى النزف الموجود وضرورة البدء بمعالجته قبل استفحال الأمر، وبادر رئيس الوزراء جعفر حسان بمصارحة الكتل النيابية الممثلة في البرلمان بأن مشروع القانون إصلاحي بالدرجة الأولى، ولا يمكن الاستمرار في تأجيل إجراء التعديلات قبل أن تصبح كلفة الإصلاح أكبر من أن تتحملها الدولة الأردنية. حيث إن عدد مشتركي الضمان البالغ أكثر من مليون ونصف المليون مشترك، هو مظلة اجتماعية رئيسية لمعظم المتقاعدين بعد إدماج صناديق التقاعد الرسمية وكذلك موظفي الحكومة والأجهزة الأمنية، وبناء عليه فإن تجاهل العيوب الكامنة في هذه المظلة لا يحتمل التأجيل. بطبيعة الحال فإن مجرد فتح الحوار حول هذا الموضوع الحساس أثار العديد من الأسئلة المتعلقة بمصداقية الدولة، وحاكمية صندوق الضمان وهيئته الاستثمارية، والفجوة بين أصحاب الدخول المرتفعة والمتدنية، وكذلك العائد المتحقق من استثمارات الصندوق، ودور الحكومة التي تستحوذ سنداتها على حوالي 57 % من أصول المحفظة الاستثمارية، وبات الفضاء مفتوحاً لكل التساؤلات.
وانتقل الجدل من التعديلات والمستفيدين أو المتضررين إلى تعميم صورة سلبية حول ضعف الاستقرار التشريعي وتغيير "قواعد اللعبة" في أثناء اللعبة على حد وصف البعض. كل ذلك حرف البوصلة واضطرت الحكومة إلى نشر مسودة الدراسات الاكتوارية التي بحوزتها لتركيز الحوار حول الأسس التي تم الاستناد إليها لاقتراح تعديل القانون، الأمر الذي بات يتطلب مجهوداً إضافياً لتبيان بعض الحقائق الملتبسة.
وثبت أن تجاهل الرأي العام في قضية تمس المداخيل مباشرة تشكل ما يشبه انتحاراً سياسياً للفريق الحكومي الذي سارع إلى تهدئة الأمور وتأكيد أن مشروع القانون سيتم التدرج به وصولاً إلى بر الأمان وعدم الإخلال بالمعادلات الحالية، حيث يقترح مجلس الوزراء أن التطبيق الفعلي للتعديلات لن يبدأ قبل العام 2030 لمن تنطبق عليه شروط التقاعد المبكر وسوف تمتد فترة التطبيق المتدرج حتى العام 2047.
من الآن فصاعداً لن تصبح الشركات والبنوك التي تساهم بها مؤسسة الضمان الاجتماعي جوائز ترضية للبعض، وسيتم تشديد الرقابة والمساءلة، كذلك من المرجح أن لا يتم استثناء فئات معينة من التعديلات التي يجب أن تطاول جميع المشتركين، وعلى الحكومات تغطية العجوزات التي قد تنجم عن بعض قراراتها، فالضمان مؤسسة تأمينية وليست تعاضدية، وهي ترتبط بمساهمات الأفراد وقيمة اشتراكاتهم التي هي من حقهم، أما ذوو الدخول المتدنية فتلك قصة أخرى علاجها ليس ضمن اختصاص الضمان الذي قدرت مجموع موجوداته العام الماضي بحوالي 18.6 مليار دينار تشكل ما نسبته 40 - 45 % من الناتج المحلي الإجمالي.