تملك الأجانب يعيد رسم خريطة السوق العقارية في السعودية

16 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 07:15 (توقيت القدس)
أمام جناح السعودية في معرض عقاري دولي بمدينة كان الفرنسية، 11 مارس 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- وافق مجلس الوزراء السعودي على فتح سوق العقارات للأجانب في مناطق محددة بدءًا من يناير، كجزء من رؤية 2030، بهدف تنويع مصادر الدخل وجذب الاستثمارات الأجنبية.
- من المتوقع أن يؤدي القرار إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مما يعزز تنافسية الاقتصاد السعودي، حيث بلغ حجم المشاريع العقارية 40 مليار دولار في 2024، واجتذبت برامج الإقامة المميزة أكثر من 1200 مستثمر دولي.
- يحذر محللون من ارتفاع أسعار العقارات بسبب تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، ويوصون بإجراءات تنظيمية مثل فرض ضرائب على الأراضي غير المستغلة وتوفير برامج إسكانية مدعومة.

جاء قرار مجلس الوزراء السعودي بالموافقة على فتح سوق العقارات أمام تملك الأجانب "في نطاقات جغرافية محددة"، بدءا من يناير/كانون الثاني المقبل، ليسلط الضوء على الانعكاسات الاقتصادية للتطبيق، وارتباطها بإقبال الأجانب على شراء العقارات وتأسيس "إقامات عقارية" لهم ولذويهم خلال السنوات المقبلة، ما يعد خطوة من أكبر التحولات التشريعية في المملكة منذ عقود.

ويأتي هذا القرار في إطار رؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، وجعل السعودية مركزاً إقليمياً للاستثمار والسياحة والأعمال، على أن تتولى الهيئة العامة للعقار في المملكة مهام اقتراح النطاق الجغرافي الذي يجوز فيه لغير السعودي تملُّك العقار أو اكتساب الحقوق العينية الأخرى عليه، وفقا لما أوردته وكالة الأنباء السعودية "واس" أخيراً.

ويعزو خبراء اقتصاد هذا الانفتاح إلى رغبة بجذب رؤوس الأموال الأجنبية وزيادة تدفق الاستثمارات المباشرة إلى السوق العقارية، بما يعزز من المعروض السكني والتجاري ويرفع من تنافسية الاقتصاد السعودي إقليمياً، وهو ما أشار إليه وزير الشؤون البلدية والإسكان السعودي، ماجد بن عبدالله الحقيل، عندما صرح قبل أيام، بأن القانون الجديد يهدف إلى زيادة المعروض العقاري وجذب المستثمرين والمطورين العالميين، مع وضع ضوابط تنظيمية لحماية مصالح المواطنين وضمان التوازن في السوق.

وقد سجلت السوق العقارية السعودية بالفعل نمواً ملحوظاً، حيث بلغ حجم المشاريع العقارية في المملكة في العام 2024 نحو 40 مليار دولار، بحسب بيانات رسمية، ما يجعله أحد أهم القطاعات الاقتصادية وأكثرها جذباً للمستثمرين، فيما تسعى الحكومة إلى رفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة من 10 مليارات دولار في عام 2023 إلى أكثر من 27 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030.

كما شهد النصف الأول من العام الجاري نموا ملحوظا في حجم صفقات السوق العقارية السعودية، مدفوعة ببرامج الإقامة المميزة التي اجتذبت أكثر من 1200 مستثمر دولي في أقل من عام، مع توقعات باستمرار هذا الزخم مع بدء تطبيق القرار الخالص بتملك الأجانب، بحسب تقدير نشره موقع "Citizenship by Investment News" المتخصص في شؤون المواطنة عن طريق الاستثمار وبرامج الإقامة الذهبية، بما فيها الإقامة العقارية.

فالسعودية تربط بالفعل بين تملك العقار وبرامج الإقامة الطويلة، حيث بات بإمكان المستثمرين الأجانب الحصول على إقامة عقارية مميزة عند تملكهم عقاراً بقيمة لا تقل عن 4 ملايين ريال (1.06 مليون دولار)، وهذه الإقامة تمنح مزايا واسعة تشمل الإقامة الدائمة مع الأسرة، وحرية التنقل، والعمل، وتأسيس الأعمال، والتمتع بحقوق تملك العقار أو الانتفاع به لفترات طويلة حتى في بعض المناطق ذات الطبيعة الخاصة، بحسب التقرير ذاته.

لكن محللين يحذرون من أن دخول رؤوس أموال أجنبية بكثافة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار العقارات، خاصة في المدن الكبرى، ما قد يؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين. وفي هذا الإطار، يشير علي متولي الخبير في مركز استشارت بالعاصمة البريطانية لندن، إلى أن قطاع العقارات في المملكة العربية السعودية يواصل زخم نموه منذ عام 2021، وهو ما تجلى بوضوح في ارتفاع قيمة الصفقات السكنية إلى نحو 29 مليار دولار خلال الربع الأول من العام الجاري، بزيادة بلغت 37% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، كما سجلت أسعار الشقق ارتفاعاً بنسبة 6.6%، ليصل السعر المتوسط إلى حوالي 3865 ريالا للمتر المربع.

ومن بين المؤشرات التي تؤكد توسع السوق، بحسب متولي، ارتفاع حجم القروض العقارية إلى 846 مليار ريال (نحو 226 مليار دولار)، مع رفع البنوك نسبة التمويل العقاري إلى حد 90% للمشتري الأول. ومع هذا الزخم الكبير، ترى الحكومة السعودية أن الطلب المحلي قد يكون على أعتاب الوصول إلى الحد الأقصى، ما دفعها للبحث عن شريحة جديدة من المشترين من المستثمرين الأجانب، بهدف الحفاظ على الزخم، وتمويل المشروعات الكبرى مثل نيوم والقدية، حسب تقدير متولي، معتبرا أن فتح باب الملكية أمام غير المواطنين يعد خطوة استراتيجية تسعى إلى تقليل الاعتماد على الإنفاق العام المرتبط بالنفط، وتنويع مصادر الدخل غير النفطية.

وفي ظل هذا التوجه، فإن المستثمرين العرب والخليجيين الذين يعيشون في دول قريبة جغرافيا ويمتلكون السيولة الكافية، يبدون اهتماما متزايدا بالسوق السعودية بما هي وجهة بديلة للاستثمار العقاري، خاصة بعد أن أصبحت المملكة مقاربة أكثر من دبي من حيث الموقع والفرص الاستثمارية، بحسب متولي، الذي يقدر أن هذه الفئة ستكون مسؤولة عن ما بين 15% إلى 20% من الصفقات الأولى في السوق.

ويلفت الخبير الاقتصادي إلى وجود شريحة أخرى مهمة هي شريحة المغتربين الأجانب داخل المملكة، والذين قد يتحولون من مستأجرين إلى مالكين حال تم تسهيل إجراءات التملك لهم، خاصة مع رغبتهم الطبيعية في الاستقرار المادي والاجتماعي.

أما بالنسبة للمستثمر الدولي، فيلفت متولي إلى بروز صناديق الثروة الخاصة والعائلية من أوروبا وآسيا، التي تبحث عن ملاذ استثماري آمن من الناحية السياسية ويتمتع بإعفاء ضريبي جذاب، حيث يطمح هؤلاء إلى تحقيق عائد سنوي يتراوح بين 6% إلى 7%، مع توفير فرصة الإقامة طويلة الأمد.

وعلى صعيد التطوير العقاري، ينوه متولي إلى أن شركات عالمية بدأت بالدخول إلى السوق السعودية عبر شراكات مع صناديق استثمار سعودية، خاصة في مشاريع البنايات الفندقية والسياحية، مثل تلك الموجودة في البحر الأحمر، لافتا إلى أن تقديرات "الراجحي كابيتال" تشير إلى أن السماح للمستثمرين الأجانب بالتملك العقاري سيضخ ما بين 20 إلى 25 مليار دولار من الاستثمارات المباشرة بحلول عام 2030، كما سيرفع قيمة قطاع الإنشاءات إلى نحو 191 مليار دولار بحلول عام 2029.

ومن شأن هذا التدفق الاستثماري أن يسهم في خلق فرص عمل جديدة، وتعزيز الناتج المحلي غير النفطي، لكنه في المقابل قد يدفع أسعار المساكن في مدن رئيسية مثل الرياض إلى الارتفاع، وقد ارتفعت بالفعل بنسبة 81% منذ جائحة كورونا قبل نحو خمس سنوات، ما يجعل السكن في بعض المناطق خارج متناول شريحة كبيرة من المواطنين السعوديين.

ولموازنة المعادلة، يشير متولي إلى أهمية عمل الحكومة السعودية على اتخاذ إجراءات تنظيمية مثل فرض ضرائب على الأراضي غير المستغلة، وتوفير برامج إسكانية مدعومة تستهدف الفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط، لافتا إلى أن المملكة تملك، على الصعيد التشريعي، بالفعل نظاماً للإقامة المميزة، الذي يتيح الحصول على إقامة دائمة مقابل استثمار عقاري لا يقل عن 4 ملايين ريال.

غير أن إدخال تسهيلات أكبر على غرار الأنظمة المطبقة في اليونان والإمارات، يمكن أن يشكل دفعة إضافية قوية، ويجعل المملكة وجهة أكثر جاذبية لكبار المستثمرين والكفاءات العالمية التي تحتاج إلى استقرار طويل الأمد، حسبما يرى متولي.

ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أن تقارير السوق تؤكد أن وجود نظام يربط الإقامة بالاستثمار العقاري كان له دور واضح في زيادة مبيعات الوحدات الفاخرة بنسبة تتراوح بين 30 إلى 40% في الأسواق التي طبقت هذا النموذج، وهو مؤشر يشير إلى فعالية هذه الآلية في تحفيز الاستثمار الأجنبي.

وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي، جاسم عجاقة، لـ "العربي الجديد"، إلى أن السماح للأجانب بتملك العقارات في السعودية يعد خطوة محورية في دعم تطوير القطاع العقاري من ناحية زيادة المعروض وتنشيط الحركة الاستثمارية، إذ يشجع المطورين العقاريين والمستثمرين الأجانب والعرب على الاهتمام بالاستثمار داخل المملكة، وهو ما ينسجم مع أهداف رؤية 2030 التي تسعى إلى فتح الاقتصاد السعودي أمام الشركاء الدوليين، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط.

وفي ما يتعلق بالمستهدفين من هذا القرار، يلفت عجاقة إلى كبار رجال الأعمال والمستثمرين القادرين على إحداث تأثير اقتصادي حقيقي، إضافة إلى الفئات المؤهلة من العمالة المتخصصة التي يمكنها الاندماج في الاقتصاد السعودي بشكل فاعل، متوقعا أن يجلب قرار السماح بتملكهم للعقارات عشرات المليارات من الدولارات إلى الاقتصاد السعودي. ويرجح أن تؤدي زيادة تملك الأجانب للعقارات في السعودية إلى تحسين الإيرادات الحكومية عبر تنظيم السوق وزيادة المعروض من الوحدات السكنية، ما قد يساعد على تخفيف الضغوط على الأسعار، خاصة في ظل ارتفاع الطلب المستمر على المساكن.

المساهمون