دمشق تختبر الكهرباء المستمرة 48 ساعة
استمع إلى الملخص
- يشهد قطاع الكهرباء السوري استثمارات دولية بقيمة 7 مليارات دولار، تشمل بناء محطات توليد كهرباء جديدة وتوريد الغاز الطبيعي من قطر، بالإضافة إلى منحة من البنك الدولي لدعم تأهيل الشبكات.
- تسعى سورية لتنويع مصادر الطاقة عبر مشاريع للطاقة المتجددة بالتعاون مع شركات دولية، مما يعزز استقرار القطاع ويؤثر إيجاباً على حياة المواطنين.
في دمشق، حيث لطالما كانت انقطاعات الكهرباء جزءاً من الحياة اليومية للمواطنين، نفذت وزارة الطاقة تجربة غير مسبوقة تمثلت في تغذية العاصمة بالكهرباء لمدة 48 ساعة متواصلة. التجربة جاءت بعد جهود متواصلة في صيانة المحطات الكبرى وتأهيل مجموعات التوليد، إضافة إلى تأمين توريدات الغاز والفيول اللازمة لتشغيل الشبكة بشكل مستمر.
وفي السياق، أوضح المدير العام للمؤسسة العامة لتوليد الكهرباء، محمد فضيلة، أن حجم الإنتاج الحالي للطاقة الكهربائية في سورية يناهز 2400 ميغاواط، وهو ما ساهم بشكل ملحوظ في تحسين التغذية الكهربائية في مختلف المحافظات. وأضاف فضيلة أن التحسن المفاجئ للكهرباء ليس إلغاءً للتقنين، وإنما تجربة تشغيل تهدف إلى دراسة قدرة الشبكة على تحمل الأحمال الزائدة. وأكد أن الجداول المتداولة لساعات التقنين غير صحيحة ولم تصدر عن الإدارة العامة للكهرباء، فيما لم يقدم المكتب توضيحاً حول مدة استمرار التجربة وكيف سيكون التقنين بعدها.
وأشار فضيلة لـ"العربي الجديد" إلى أن الوصول إلى تغذية دائمة على مدار 24 ساعة يعتمد على استكمال تأهيل جميع مجموعات التوليد وضمان استمرار توريد الغاز والفيول بالكميات المطلوبة، مشيراً إلى أنه لا يمكن تحديد موعد دقيق لتحقيق ذلك، لكن العمل جارٍ للوصول إلى هذا الهدف تدريجياً.
ولفت المدير العام إلى أن الاستهلاك اليومي للطاقة يشمل حوالي 5200 طن من الفيول وما يقارب 9 ملايين متر مكعب من الغاز، بما يلبي جزءاً من الاحتياج اليومي الذي يقدر بحوالي 8 جيغاواط. وأضاف أن بعض المحطات والمجموعات تمت صيانتها أخيراً، من أبرزها محطة الزارة والمجموعتان الأولى والثانية، ومحطة بانياس (المجموعة الرابعة)، ومحطة حلب (المجموعتان الأولى والخامسة)، ومحطة الناصرية (المجموعة الثانية)، مؤكداً أن هذه الصيانات تعكس حرص المؤسسة على رفع جاهزية المحطات وتعزيز كفاءتها.
وأشار فضيلة إلى أن هناك خطة صيانة مبرمجة تشمل مجموعات أخرى خلال الفترة القادمة، منها محطة بانياس (المجموعة الثالثة)، ومحطة جندر (المجموعتان الثالثة والخامسة)، ومحطة دير علي (المجموعة الغازية الثانية)، مع الإشارة إلى أن بعض أعمال الصيانة تتم بالتعاون مع شركات عربية وأجنبية للاستشارات الفنية المتخصصة.
خطوة إيجابية في قطاع الكهرباء
وسط هذه التجربة، لم تخلُ الشوارع من أصوات المواطنين الذين تابعوا التغذية الكهربائية المستمرة بعين الناقد والمتشكك. بعضهم رأى أن التجربة خطوة إيجابية قد تساهم في تحسين الخدمة وتخفيف الانقطاعات الطويلة، بينما ربط آخرون هذه التحسينات المحتملة برفع سعر تعرفة الكهرباء، معتبرين أن أي تحسين في التغذية سيكون مصحوباً بزيادة في الفواتير. أحد سكان دمشق أشار إلى أنه "رغم استمرار الكهرباء لساعات أطول، أشعر بأن حسابنا سيزداد أكثر"، بينما لجأ آخر إلى خطوة عملية للتعبير عن احتجاجه، حيث قام بفصل القاطع الكهربائي في منزله، كرمز لمخاوفه من ارتفاع التكاليف، مؤكداً أن تحسين الخدمة لا يجب أن يكون على حساب جيوبه.
التجربة التي دامت 48 ساعة لم تكن مجرد اختبار تقني، بل شكلت نموذجاً عملياً لقدرة المؤسسة على إدارة الموارد وتقديم تغذية مستمرة في ظل الظروف الاقتصادية المعقدة. كما أظهرت إمكانية تحسين أداء الشبكة تدريجياً، بما يساهم في تلبية احتياجات المواطنين بشكل أكثر استقراراً. وأكد المدير العام حرص المؤسسة على متابعة تطوير الشبكة الكهربائية وتعزيز تغذية جميع المحافظات، في خطوة نحو تحقيق استقرار مستدام في قطاع الطاقة.
استثمارات دولية
ويشهد قطاع الكهرباء السوري حالياً مرحلة جديدة من الاستثمارات الدولية تهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة وتعزيز القدرة الإنتاجية. ففي مايو 2025، وقع وزير الطاقة السوري مذكرة تفاهم مع تحالف من شركات دولية من قطر والولايات المتحدة وتركيا لبناء أربع محطات توليد كهرباء بتقنية الدورة المركبة، بقدرة إجمالية تصل إلى 4000 ميغاواط، بالإضافة إلى محطة للطاقة الشمسية 1000 ميغاواط، ضمن اتفاقية ضخمة بقيمة 7 مليارات دولار. ويشارك في هذه المشاريع كل من شركة UCC القطرية، وشركات أميركية وتركية، لتشكل هذه الخطوة علامة بارزة في جهود إعادة بناء قطاع الكهرباء في سورية.
إلى جانب ذلك، هناك تعاون قطري لتوريد الغاز الطبيعي لدعم التوليد الكهربائي، حيث من المتوقع أن تضخ قطر نحو مليوني متر مكعب من الغاز يومياً إلى محطة دير علي عبر خط يمر بالأردن، بهدف رفع القدرة التوليدية 400 ميغاواط، مع توفير الدعم الفني والتمويل من صندوق قطر للتنمية.
على الصعيد الدولي أيضاً، حصلت سورية على منحة بقيمة 146 مليون دولار من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، لدعم مشروع طارئ يهدف إلى تأهيل شبكات النقل والمحطات الفرعية المتضررة، وتعزيز القدرات المؤسسية ووضع استراتيجيات فعالة للقطاع. ويشمل الدعم إعادة تأهيل الشبكة وتوظيف شركات استشارية دولية لتعمل مهندسةً للمالك في تنفيذ المشروع.
كما تدرس شركات أميركية مثل بيكر هيوز وإرجنت للطاقة إعادة دخول قطاع الكهرباء السوري، خاصة بعد تجميد العقوبات الغربية، بهدف إعادة بناء البنية التحتية للطاقة التي تضررت خلال سنوات الحرب. وفي إطار تنويع مصادر الطاقة، تم توقيع مذكرات تفاهم مع شركات سعودية وسورية-تركية لإنشاء مشاريع للطاقة المتجددة تشمل محطات كهروضوئية ورياحية، تستهدف إنتاج 600 ميغاواط إضافية، باستثمارات مُعلنة تصل إلى حوالي 400 مليون دولار.
وفي السياق، أشار الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، الدكتور يوسف قبلاوي، إلى أن التعاون قائم مع شركة UCC القابضة التي تنفذ هذه المشاريع الضخمة، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن الشركة السورية للبترول تعمل على تأمين الغاز اللازم لتشغيل هذه المحطات مستقبلاً لضمان استمرارية التغذية الكهربائية على مدار الساعة. وختم قبلاوي بالقول إن هذه المرحلة تمثل نقطة تحول في تاريخ قطاع الطاقة السوري، مشيراً إلى أن عودة الشركات العالمية الكبرى ستسهم في نقل التكنولوجيا الحديثة إلى سورية وتعزيز استقرار القطاع، بما ينعكس مباشرة على حياة المواطن السوري وتحسين جودة الخدمات الكهربائية.