رسوم ترامب ترتد على عقارات أميركا... زيادة المعروض ومخاوف من الركود
استمع إلى الملخص
- انخفضت مبيعات المنازل القائمة إلى أدنى مستوى منذ ثلاثين عامًا في 2024، بسبب التوترات التجارية مع شركاء مثل كندا والاتحاد الأوروبي، مما دفع الأجانب للتخلص من عقاراتهم في أميركا.
- سياسات ترامب الجمركية ترفع معدلات الفائدة على الرهن العقاري، مما يزيد تكاليف شراء المنازل ويؤدي لاستبعاد الأسر من السوق، ويثير مخاوف بشأن التضخم وثقة المستهلكين.
تهدد حرب الرسوم الجمركية الواسعة التي يخوضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وسياساته تجاه المهاجرين، سوق العقارات السكنية التي تقدر بأكثر من 2.5 تريليون دولار، ما يعرض أكبر اقتصاد في العالم لهزة عنيفة لانكشاف القطاع على الكثير من الأنشطة التمويلية والصناعية والخدمية.
وتظهر المؤشرات تباطؤ أسعار العقارات في الكثير من المناطق وانخفاضها في البعض الآخر وسط تراجع الإقبال على الشراء، بينما يزداد عدد المنازل المعروضة للبيع، لاسيما من الأجانب الذين يشعرون بالقلق حيال الاستثمار أو الإقامة في الولايات المتحدة بسبب سياسات ترامب.
وتنخفض الأسعار في أجزاء كثيرة من ولاية تكساس، خاصة حول المدن الرئيسية أوستن ودالاس وهيوستن، بينما شهدت مدن الولاية زيادات سكانية كبيرة خلال السنوات الخمس الماضية، حيث انتقل العاملون عن بُعد وغيرهم إلى المناطق الأقل تكلفة نسبياً. وقال جونز، المقيم في أوستن، إن الطلب على الشراء قد تراجع الآن. في الوقت نفسه، تُعرض المنازل المبنية حديثاً، والتي كانت جزءاً من طفرة البناء، للبيع، مما يُسهم في انخفاض الأسعار، وفق تقرير لصحيفة واشنطن بوست. وفي منطقة دالاس ـ فورت وورث، صرح وكيل العقارات تود لونغ، بأنه شهد زيادة تجاوزت 30% في عدد المنازل المعروضة للبيع مقارنة بالعام الماضي، وهي زيادة هائلة في المعروض.
وشهدت ولاية فلوريدا أيضاً، خاصة حول ساحل الخليج، التي ضربتها عدة أعاصير كبرى في العامين الماضيين، العديد من أكبر الانخفاضات في قيم المنازل، بينما كانت من أكثر الوجهات شعبيةً للهجرة خلال السنوات الخمس الماضية. وقال ريك هاريسون، مستشار عقاري في مدينة فورت مايرز بالولاية، إن الطلب بدأ يتباطأ. وأضاف: "الكثير منهم متخوفون جداً من شراء أي شيء على طول الساحل"، مضيفًا أنه يحضر الآن عروض أسعار التأمين إلى عروض المنازل ليتمكن العملاء من احتساب التكلفة. ويبلغ متوسط قيمة منزل الأسرة الواحدة في مقاطعة لي، حيث تقع فورت مايرز، الآن 412 ألف دولار، بانخفاض قدره 6% عن العام الماضي.
ويأتي انخفاض أسعار العقارات بينما شهدت تباطؤاً لافتا في عموم البلاد العام الماضي 2024 عندما سجلت صعوداً بنسبة 2.7% فقط، بينما كانت قد ارتفعت بأكثر من 6% في عام 2023، وفقًا لتحليل أجرته صحيفة واشنطن بوست لبيانات قيمة المنازل من قسم تكنولوجيا الرهن العقاري في بورصة إنتركونتيننتال.
وتراجعت مبيعات المنازل القائمة في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً في 2024. وبحسب بيانات المجموعة الوطنية للوسطاء العقاريين الصادرة نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، انخفضت مبيعات المنازل القائمة بنسبة 0.7% إلى 4.06 ملايين وحدة في عام 2024، وهو أضعف مستوى سنوي منذ عام 1995.
وتدفع التوترات بين الولايات المتحدة وشركائها التاريخيين لاسيما كندا والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى الصينيين وغيرهم من الجنسيات الأخرى التي تمتلك عقارات في أميركا، إلى التخلص من هذه العقارات. وباعتبارها أكبر اقتصاد في العالم وأرضاً للمهاجرين، تجتذب الولايات المتحدة عشرات الآلاف من المشترين كل عام القادمين من جميع أنحاء العالم سواء كانوا يرغبون في العيش والعمل والدراسة أو يرغبون فقط في الاستثمار في سوق نشطة.
ووصلت مبيعات العقارات السكنية للمشترين الأجانب في الولايات المتحدة ذروتها في عام 2017 حيث سجلت 153 مليار دولار، لكنها تراجعت في 2021 بسبب التأثير الاقتصادي لجائحة فيروس كورونا، ومع ذلك عادت مبيعات العقارات للمشترين الأجانب لتسجل 53 مليار دولار في الفترة من إبريل/نيسان 2022 وحتى مارس/آذار 2023، وبلغ عدد المشترين 84600 شخص وبمتوسط سعر للعقار بلغ 400 ألف دولار، نصفهم في الضواحي وبخاصة في ولايات فلوريدا وتكساس وكاليفورنيا ونورث كارولينا وأريزونا، كما دفع 42% منهم كامل المبلغ نقداً، واشترى نصف الأجانب العقار كمنزل لقضاء العطلات أو للإيجار، وذلك وفقاً لدراسة أجرتها الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين الأميركيين.
وبجانب التأثير المباشر للتوترات بين الولايات المتحدة وحلفائها التاريخيين على قرار شراء العقارات في أميركا، تنعكس الحرب التجارية بشكل غير مباشر على سوق العقارات الأميركية. فبينما يقول ترامب إن الرسوم تستهدف تقليص العجز التجاري لبلاده، فإن خبراء اقتصاد يشيرون إلى أن الولايات المتحدة تستفيد من وجود اختلالات تجارية كبيرة مع بقية العالم، حيث يتم استخدام الدولار، العملة الاحتياطية العالمية بحكم الأمر الواقع، في معظم التجارة، وهو ما يوفر رياحاً داعمة كبيرة للاقتصاد الأميركي. وتستخدم البلدان تلك الدولارات التي حصلت عليها من التجارة لاستثمارها مرة أخرى في الولايات المتحدة، وغالباً في السندات الحكومية والأسهم والعقارات. ويؤدي هذا إلى إبقاء أسعار الفائدة الأميركية منخفضة والسماح للشركات والمستهلكين الأميركيين بالاقتراض لشراء العقارات أيضاً والإنفاق أكثر.
ويشير محللون إلى أن تداعيات رسوم ترامب الجمركية تعيد شبح التضخم من جديد، والذي دفع البنك الفيدرالي الأميركي في السنوات الماضية إلى رفع أسعار الفائدة، ما انعكس تبعات على تكاليف الرهن العقاري. وعلى مدار السنوات الست الماضية، ارتفعت أسعار المساكن وأسعار الرهن العقاري بسرعة، مما أدى إلى عجز العديد من الأسر عن تحمل تكاليف المنازل، ما أدى إلى استبعادها من السوق، وفقاً لهانا جونز، كبيرة محللي الأبحاث الاقتصادية في موقع العقارات "Realtor.com".
وارتفع متوسط معدل الفائدة على الرهن العقاري الثابت لأجل 30 عاماً، يوم الجمعة الماضي، بمقدار 13 نقطة أساس ليصل إلى 7.1%، وهو ما يعد المعدل الأعلى منذ منتصف فبراير/ شباط. وشهدت معدلات الرهن العقاري تقلبات حادة طوال الأسبوع الماضي، حيث ارتفعت عائدات سندات الخزانة بشكل حاد في منتصف الأسبوع مع دخول الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها ترامب على عشرات الدول حيز التنفيذ، قبل أن يعلن الرئيس إيقافها لمدة 90 يوماً، لتنخفض العائدات بعد القرار الأخير.
وقالت نانسي لازار كبيرة الاقتصاديين العالميين في شركة "بايبر ساندلر"، لقناة "سي أن بي سي" أخيراً: "انسَ أمر الإسكان في هذه البيئة، فمع ارتفاع معدلات الرهن العقاري مرة أخرى، وقلق المستهلكين بالتأكيد بشأن سوق العمل، سيكون الإسكان أيضاً على الجانب الضعيف".
وأصبحت العواقب قصيرة الأجل لرسوم ترامب الجمركية أسهل تمييزاً في هذه المرحلة، وفق تقرير لمجلة "إيكونوميست" البريطانية. فقد انخفض مؤشر ثقة المستهلك لجامعة ميشيغان، وهو مقياس يحظى بمتابعة دقيقة، في إبريل/ نيسان الجاري إلى 50.8 نقطة، وهو ثاني أدنى مستوى له في التاريخ. وتُعدّ المخاوف بشأن الرسوم الجمركية العامل الرئيسي وراء ذلك، إذ يعتقد المستهلكون أن الأسعار سترتفع بنسبة 6.7% خلال العام المقبل، وهو أعلى معدل تضخم متوقع منذ أكثر من أربعة عقود. كما انخفض مؤشر تفاؤل الشركات الصغيرة لثلاثة أشهر متتالية، وفق الاتحاد الوطني للشركات المستقلة، وهي جماعة ضغط. بينما يقول ترامب إن الاضطرابات ليست سوى "تكلفة انتقالية" في الطريق إلى إعادة بناء الاقتصاد الأميركي، معتبرا أنه "في النهاية، سيكون الأمر رائعاً".