رمضان يعيد زخم اقتصاد الليل في بريطانيا
- تواجه الحياة الليلية في لندن تحديات تتطلب تدخلاً لضمان استدامتها، مع إعداد تقرير عن الأنشطة الليلية، والتزام عمدة لندن بدعم هذا القطاع من خلال صلاحيات استراتيجية جديدة.
- يشهد قطاع خدمات التوصيل ضغطاً خلال ليالي رمضان، مما يبرز هشاشة العمل في اقتصاد التطبيقات ويطرح أسئلة حول تنظيم ساعات العمل ودعم الأنشطة الاقتصادية الليلية.
مع حلول شهر رمضان، لا يتبدّل الإيقاع الديني فقط في بريطانيا، بل يعرف المشهد الاقتصادي تحولات بعد غروب الشمس. وتشير أرقام واردة في تقرير بحثي صادر عن مركز الأبحاث البريطاني "إيكوي" نُشر في مارس/ آذار 2025 إلى أن قيمة ما يُعرف بـ"الاقتصاد الرمضاني" في بريطانيا باتت تُقدَّر بنحو 1.3 مليار جنيه إسترليني سنوياً، بعدما تضاعف حجمه قرابة أربع مرات خلال العقد الماضي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد البريطاني من نمو بطيء ومحدود.
وفي خضم هذا التحوّل الاقتصادي المتدرّج، بدأت المؤسسات المحلية تنظر إلى الظاهرة من زاوية أوسع. ترى بلدية لندن في هذه الأنماط المتغيّرة، جزءًا من صورة أوسع لما يُعرف بـ"اقتصاد الليل". في هذا السياق، يقول مكتب عمدة لندن في رده على أسئلة "العربي الجديد" عبر البريد الإلكتروني إن اقتصاد الليل في العاصمة يدعم أكثر من مليون وظيفة، ويساهم بما يزيد على 139 مليار جنيه إسترليني في الاقتصاد البريطاني، فضلاً عن دوره في جمع المجتمعات المحلية وتعزيز التفاعل بينها.
ويوضح المكتب أن هذا القطاع يواجه في الوقت نفسه تحديات تتطلب تدخلاً جاداً لضمان استدامته على المدى الطويل، مشيراً إلى أن العمدة كلّف "فريق عمل مستقلاً للحياة الليلية" بإعداد أكثر صورة تفصيلية حتى الآن حول واقع الأنشطة الليلية في لندن وما تحمله من فرص وتحديات.
ويأتي ذلك في وقت يعترف فيه تقرير "فريق العمل المستقل للحياة الليلية" بالدور المتنامي لاقتصاد الليل، إذ يعرّف الأنشطة الليلية بأنها تلك التي تجري أساساً بين السادسة مساءً والسادسة صباحاً، وتشمل أنشطة ثقافية واجتماعية ومجتمعية إلى جانب قطاع المطاعم والضيافة، ويُظهر أن هذا القطاع يدعم أكثر من مليون وظيفة في العاصمة. ويضيف المكتب أن تقرير الفريق أظهر كيف تطوّرت الحياة الليلية في المدينة لتشمل طيفاً واسعاً من الأنشطة الثقافية والاجتماعية والمجتمعية، معتبراً أن الأنشطة المرتبطة بشهر رمضان "تشكل مثالاً واضحاً على الطرق المتعددة التي تنبض بها لندن بالحياة بعد حلول الظلام".
ويؤكد المكتب أن عمدة لندن ملتزم بالعمل مع مختلف الشركاء لدعم الحياة الليلية، لافتاً إلى أن الحكومة ستمنحه قريباً صلاحيات استراتيجية جديدة في مجال التراخيص، من شأنها دعم قطاع المطاعم والضيافة والمساعدة على إطلاق الإمكانات الكامنة لاقتصاد الليل في العاصمة.
ويبرز هذا التحوّل الليلي بوضوح في قطاع خدمات التوصيل، حيث يشهد الطلب ذروته خلال الساعات التي تلي الإفطار وتمتد أحياناً حتى ما قبل السحور. يقول عبد السلام، وهو سائق يعمل عبر تطبيقات النقل وعضو في اتحاد العمّال المستقلين في بريطانيا (IWGB)، في حديث إلى "العربي الجديد"، إن شهر رمضان يُكثّف إيقاع العمل بشكل غير معتاد، إذ تنتقل ذروة الطلب بالكامل تقريباً إلى ساعات المساء والليل، ما يجعل إدارة الوقت أصعب بالنسبة إلى السائقين.
ويوضح أن الطلب يرتفع بشكل حاد بعد الإفطار ويبلغ أحياناً ضعفي مستواه المعتاد أو ثلاثة أضعافه، لتبدو ليالي رمضان أقرب إلى عطلة نهاية أسبوع متواصلة، حيث تخرج العائلات لتناول الطعام وتمتد السهرات حتى منتصف الليل أو ما بعده. ويشير إلى أن نسبة كبيرة من السائقين يكونون صائمين خلال الشهر، وهو ما ينعكس بوضوح على أنماط الطلب داخل التطبيقات، مع ارتفاع مؤقت للأسعار في أوقات الإفطار والسحور نتيجة قلة السائقين المتاحين، قبل أن تتراجع هذه الزيادات مع دخول مزيد من السائقين إلى العمل.
غير أن عبد السلام يؤكد أن هذا النشاط لا يترجم بالضرورة إلى دخل أفضل، إذ تبقى الأجور غير مستقرة، ويضطر كثير من السائقين إلى العمل لساعات أطول تمتد أحياناً حتى الثانية أو الثالثة فجراً من دون تحسّن ملموس في العائد. "رمضان لا يخلق مشاكل العمل في اقتصاد التطبيقات، لكنه يضغطها كلّها في وقت قصير، فنعمل لساعات أطول ليلا من دون أن يتحسّن الدخل بالقدر نفسه".
ويضيف عبد السلام أن العمل الليلي خلال رمضان مرهق صحياً، خصوصاً مع الصيام خلال النهار واضطرار السائقين إلى قلب نمط النوم، ما يؤدي إلى نوم متقطع وتراكم التعب مع تقدّم أيام الشهر، ولا سيما في العشر الأواخر. وبرأيه، لا يخلق رمضان هذه المشكلات بقدر ما يضخّمها، إذ يكشف هشاشة العمل في اقتصاد التطبيقات، القائم على تكثيف الطلب في فترات زمنية قصيرة مقابل غياب الاستقرار في الدخل وساعات العمل، ما يجعل الشهر بالنسبة إلى كثير من السائقين موسم ضغط أكثر منه فرصة اقتصادية حقيقية.
وتشير تقارير بريطانية تناولت أوضاع العاملين في اقتصاد المنصّات إلى أن عدداً من عمّال التوصيل يعملون أصلاً لساعات طويلة قد تتجاوز 10 أو 12 ساعة يومياً لضمان دخل كافٍ، ما يجعل الذروة الرمضانية الليلية عامل ضغط إضافي في قطاع يقوم أساساً على العمل غير المستقر وساعات العمل غير التقليدية. وهنا، يتحوّل اقتصاد الليل المرتبط برمضان إلى نقطة تقاطع بين النشاط الاقتصادي المتنامي والتحديات الاجتماعية التي تواجه العمال ذوي الأجور المتدنية.
ومن هذه الزاوية، يقدّم رمضان اختباراً واقعياً لمرونة الأسواق وسياسات العمل والتنظيم الحضري، إذ يطرح أسئلة أوسع عن كيفية تنظيم ساعات العمل ودعم الأنشطة الاقتصادية الليلية وحماية العمال في قطاعات الخدمات، في مدينة قادرة على التكيّف مع هذا الإيقاع لمدة شهر، لكنها لا تزال تتعثّر في استدامته خارج هذا الإطار الموسمي. وهو اختبار لا يقتصر على شهر واحد في السنة، بل يطرح سؤالاً دائماً عن شكل المدينة التي تعمل بعد الظلام.