سباق عالمي لتخزين الوقود... كيف تغيرت أولويات مستوردي النفط؟

27 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 03:03 (توقيت القدس)
خزانات في ميناء المحمدية النفطي، الدار البيضاء، 3 إبريل 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تسارع الدول مثل الهند وجنوب أفريقيا والفلبين في بناء احتياطيات النفط الاستراتيجية لمواجهة انقطاعات الإمدادات وتقلبات الأسواق، من خلال زيادة سعات التخزين ورفع مستويات المخزون الإلزامي.

- تواجه الدول تحديات في تنفيذ خطط التخزين بسبب الحاجة لاستثمارات ضخمة وفترات تنفيذ طويلة، وحجم الاحتياطيات قد لا يكون كافياً لتعويض نقص الإمدادات، مع اعتماد الاقتصادات الصغيرة على احتياطيات هجينة.

- تلعب الاقتصادات الكبرى مثل الصين دوراً في استقرار الأسواق، بينما تواجه الدول النامية صعوبة في تلبية معايير وكالة الطاقة الدولية، مما قد يؤثر على أسعار النفط مستقبلاً.

دفع إغلاق مضيق هرمز، وما تبعه من اضطرابات امتدت إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، عدداً متزايداً من الدول المستوردة للنفط إلى تسريع خطط بناء وتوسيع احتياطياتها الاستراتيجية. وخلال الأسابيع الأخيرة أعلنت حكومات آسيوية وأفريقية حزمة من السياسات والمشروعات الجديدة لزيادة سعات التخزين، ورفع مستويات المخزون الإلزامي، وإنشاء مرافق احتياطية جديدة، بهدف تعزيز قدرة أسواقها المحلية على مواجهة أي انقطاعات محتملة في الإمدادات أو تقلبات حادة في الأسواق العالمية. 

زيادة احتياطيات النفط

تصدرت الهند أحدث هذه التحركات، إذ أعلنت شركة النفط والغاز الهندية الحكومية "أو إن جي سي" في 10 يوليو/تموز الجاري موافقة مجلس إدارتها على إنشاء احتياطي نفطي استراتيجي جديد في مدينة مانغالورو بسعة 1.75 مليون طن، بما يعادل نحو 13 مليون برميل، ضمن المرحلة الأولى من خطة حكومية لتوسيع قدرات التخزين الاستراتيجي. وفي 3 يوليو، نشرت حكومة جنوب أفريقيا مشروع سياسة جديدة للمخزون النفطي الاستراتيجي، عقب إقراره من مجلس الوزراء، تستهدف رفع الاحتياطيات الحكومية إلى ما يعادل 60 يوماً من صافي الواردات، مع زيادتها تدريجياً إلى 90 يوماً، إلى جانب إلزام شركات الوقود بالاحتفاظ بمخزونات تشغيلية إضافية لتعزيز أمن الإمدادات. وقبلها بيوم، أعلنت وزارة الطاقة الفيليبينية مواصلة إعداد مشروع قانون لإنشاء أول احتياطي نفطي استراتيجي في البلاد، مؤكدة أن المشروع يمثل أولوية لتعزيز أمن الطاقة، والحد من تداعيات اضطرابات الأسواق العالمية. 

وفي 26 مايو/أيار الماضي، طرحت شركة "باكستان للغاز الطبيعي المسال" المملوكة للدولة مناقصة لإعداد دراسة جدوى لإنشاء أول احتياطي نفطي استراتيجي، ضمن خطة حكومية لرفع جاهزية قطاع الطاقة لمواجهة أي انقطاع محتمل في الإمدادات، وقبلها في 4 مايو أعلن المغرب برنامجاً لتوسيع قدرات تخزين الوقود باستثمارات تصل إلى مئات ملايين الدولارات بحلول نهاية العقد، وتعمل بنغلادش على تنفيذ خطة لرفع احتياطياتها النفطية من نحو 60 يوماً إلى 90 يوماً. ومن بين الاقتصادات المتقدمة، أعلنت الحكومة الأسترالية، في 6 مايو الماضي، المضي في تنفيذ خطة تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار أسترالي لتعزيز أمن الوقود، تشمل إنشاء خزانات جديدة، وتوسيع مرافق التخزين القائمة، ورفع المخزونات الإلزامية من المنتجات النفطية.

خطط تخزين غير كافية

وذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، أمس الأحد، أن بناء احتياطيات استراتيجية جديدة يتطلب استثمارات ضخمة وفترات تنفيذ تمتد لسنوات، في وقت تواجه فيه الأسواق اضطرابات فورية مع استمرار التوترات في مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب نحو خمس إمدادات النفط العالمية. ونقلت الصحيفة عن مدير ديون الأسواق الناشئة في شركة نينتي ون ون (Ninety One)، نيكولا جاكييه، قوله إن الدول التي تستورد كامل احتياجاتها من النفط تواجه مخاطر لا تقتصر على تقلبات الأسعار، بل تشمل أيضاً احتمال تعطل الإمدادات، مؤكداً أن بناء الاحتياطيات الاستراتيجية أصبح أمراً غير قابل للتفاوض من منظور الأمن القومي. وتبلغ الخطط التي أعلنتها الهند وجنوب أفريقيا نحو 50 مليون برميل من النفط، وهو حجم كبير بالنسبة لخطط التخزين الجديدة في الاقتصادات الناشئة، لكنه سيظل غير كاف لتعويض نقص الإمدادات بحجم الأزمة التي سبَّبها إغلاق مضيق هرمز، وفق الصحيفة.

وقال رئيس أبحاث النفط في شركة سبارتا كوموديتيز (Sparta Commodities)، نيل كروسبي إن الإعلانات الصادرة من جنوب أفريقيا والهند تعد كبيرة نسبياً إذا نفذت بالكامل. لكنه أضاف، بحسب "فاينانشال تايمز": نتعامل حالياً مع مشكلة فقدان إمدادات تراوح بين 10 و20 مليون برميل يومياً عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل الإضافات الجديدة إلى الاحتياطيات الاستراتيجية أقل تأثيراً بكثير في ما يتعلق بأسعار النفط. واستخدمت الاقتصادات الغنية احتياطياتها هذا العام لتهدئة أسعار النفط، إذ جرى السحب من نحو 300 مليون برميل ضمن برنامج أطلقته وكالة الطاقة الدولية في مارس/آذار للإفراج عن 400 مليون برميل. وتلزم الوكالة أعضاءها، الذين يغلب عليهم الطابع الصناعي، بالاحتفاظ بمخزونات تكفي 90 يوماً من الواردات، وهو معيار يصعب على معظم الدول النامية الوفاء به. أما الصين، التي تقدر احتياطياتها الاستراتيجية والتجارية بنحو 1.3 مليار برميل، فقد لعبت دورا أكثر أهمية في استقرار الأسواق، إذ مكنتها هذه الاحتياطيات من خفض وارداتها النفطية هذا العام إلى أدنى مستوى لها خلال عقد.

احتياطيات هجينة

وغالباً ما تفتقر الاقتصادات الصغيرة إلى المصافي الكبيرة اللازمة لمعالجة النفط الخام المخزن بسرعة في حالات الطوارئ، كما أن المنتجات المكررة مثل البنزين ووقود الطائرات لا يمكن تخزينها لفترات طويلة قبل أن تتدهور جودتها. ومع ذلك، نشرت حكومة جنوب أفريقيا الأسبوع الماضي خطة لإعادة بناء مخزوناتها الحكومية بحيث تعادل 60 يوماً من الواردات، مع إلزام موردي الوقود من القطاع الخاص بالاحتفاظ بمخزونات تكفي 21 يوماً، وذلك بهدف ضمان أمن الطاقة السيادي على المدى الطويل. ويمثل هذا الهدف نحو 36 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل مشتريات بمليارات الدولارات وفق معدلات الطلب اليومية في أكثر الدول الأفريقية تصنيعاً، مقارنة بمخزونات حالية تقدر بنحو 8 ملايين برميل. لكن الجزء الأكبر من هذه الاحتياطيات سيكون من النفط الخام، رغم أن جنوب أفريقيا فقدت معظم طاقتها التكريرية خلال العقد الماضي.

وقال كروسبي إن كثيراً من الدول، إضافة إلى نقص طاقات التكرير، تعتمد على احتياطيات هجينة يجري تأجير جزء منها لشركات النفط أو المتداولين. وأضاف أن "هذا يعني أن البراميل قد تبقى متداولة تجارياً أو يجري تدويرها، لتظل جزءاً من سلسلة الإمداد النشطة بدلاً من أن تكون مخزوناً مخصصاً بالكامل للطوارئ". وأشار كروسبي إلى أن إعادة ملء الاحتياطيات الاستراتيجية في دول وكالة الطاقة الدولية، إلى جانب إنشاء الاحتياطيات الجديدة المعلنة، ستضع حداً أدنى لأسعار النفط خلال العامين المقبلين من الناحية النظرية، لكنه أضاف أن هذا التأثير قد يكون مبالغاً فيه إلى حد ما، في ظل وجود كثير من العوامل المجهولة الأكبر، سواء في ما يتعلق بإمدادات الخليج أو بأوضاع الاقتصاد العالمي.