- أكد الخبير الاقتصادي عيسى أبو حليقة أهمية المشاورات لتعزيز الثقة بين اليمن والشركاء الدوليين، مشيراً إلى بدء تعافي الاقتصاد اليمني رغم التحديات مثل التضخم وانخفاض العملة.
- حذر صندوق النقد من تأثير الحرب على اليمن، مشدداً على إصلاح المالية العامة، تعزيز الإيرادات، استقلالية البنك المركزي، وتحسين نظام سعر الصرف والبنية التحتية.
اختتم المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي أمس الجمعة، مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 مع اليمن، بعد توقف دام أحد عشر عاماً بسبب الصراع في البلاد الذي أدى إلى توقف إعداد المؤشرات الاقتصادية الرئيسية واضطراب صنع السياسات. وذكر الصندوق في تقرير نشره على موقعه الإلكتروني، أن السلطات وافقت على نشر تقرير خبراء الصندوق المُعد حول هذه المشاورات التي أكد أنها تعكس مجدداً تعزيز القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات في اليمن، إذ من المتوقع إجراء جولة مشاورات المادة الرابعة القادمة مع اليمن على أساس الدورة الاعتيادية البالغة 12 شهراً.
وكان "العربي الجديد" قد كشف عن موعد استئناف الصندوق مشاورات المادة الرابعة مع اليمن في 31 مارس/ آذار الماضي، بعد توقف أربعة أشهر بسبب الأوضاع والأحداث الطارئة التي شهدها اليمن إثر الاجتياح الذي قامت به القوات العسكرية للمجلس الانتقالي المنحل للمحافظات الشرقية الاستراتيجية حضرموت والمهرة. كذلك انفرد "العربي الجديد"، في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي 2025، بالكشف عن عودة انعقاد مشاورات المادة الرابعة مع اليمن منذ توقفها قبل نحو أحد عشر عاماً، حيث استضافتها العاصمة الأردنية عمّان.
وأكد مصدر مصرفي مسؤول في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، لـ"العربي الجديد"، أن إقرار المادة الرابعة حصل في مجلس إدارة صندوق النقد، بعد استئناف المشاورات في 31 مارس/ آذار، حيث كان مجلس إدارة البنك المركزي اليمني قد أقرّ في اجتماع عقده بعدن، الأحد 29 مارس/ آذار، تقرير مشاورات المادة الرابعة مع الجمهورية اليمنية الذي عُرض على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي في المشاورات التي اقتصرت على مجلس إدارة الصندوق.
في السياق، أكد الخبير الاقتصادي اليمني عيسى أبو حليقة، لـ"العربي الجديد"، أهمية هذه الخطوة، ليس من ناحية عودة مشاورات المادة الرابعة، بل في الثقة التي عادت بين اليمن والشركاء الدوليين مثل صندوق النقد، التي ستتبعها إجراءات وعمل مشترك بين الجانبين خلال الفترة القادمة، حيث يمثل ذلك أيضاً فرصة لليمن للاستفادة من تمويلات الصندوق ومشاريعه، خصوصاً في ما يتعلق ببرنامج الإصلاحات الذي يجب أن يكون مركزاً أكثر وفق أهداف محددة، يعيد للدولة دورها المحوري، ويمكّن الحكومة من مواردها العامة والإدارة الرشيدة لها.
وأوضح صندوق النقد أن الاقتصاد اليمني الآن بصدد الخروج من حالة الركود العميق التي دخلها بعد توقف الصادرات النفطية في 2022، مع انكماش إجمالي الناتج المحلي بنسبة 0.5% في 2025 من نحو 10% في 2023. وتدهورت معدلات العجز المالي والخارجي بصورة حادة في البداية نتيجة للخسائر الكبيرة في إيرادات الحكومة والتدفقات الداخلة من النقد الأجنبي عقب توقف تصدير النفط والغاز البترولي المُسال.
وتراجعت هذه المعدلات منذ ذلك الحين، انعكاساً للضغط الكبير لإنفاق الحكومة والطلب الخاص وسط ارتفاع التضخم، وانخفاض سعر العملة، وتراجع مستويات الدخل الحقيقي، فضلاً عن قوة الدعم من الشركاء الإقليميين والتدفقات الداخلة من تحويلات العاملين في الخارج. وبرغم بشائر الاستقرار، لا يزال الوضع الاقتصادي والإنساني هشاً وفق صندوق النقد ، فالاحتياطيات لا تكاد تغطي سوى شهر واحد من الواردات – هي المواد الغذائية والطاقة والعقاقير بشكل أساسي – وحدود الموازنة تفرض قيوداً على الخدمات الضرورية.
وبالرغم من تأكيد صندوق النقد أنه أمكن حتى الآن احتواء التداعيات من الحرب في الشرق الأوسط، إلا أن اليمن كما قال يظل معرضاً لمخاطر ارتفاع أسعار الغذاء والوقود العالمية. وتوقع حدوث انكماش محدود بنسبة 0.7% هذا العام، وسط ارتفاع التضخم وضعف الاستهلاك الخاص، كذلك توقع أن يفضي ارتفاع الواردات وضعف نمو الصادرات إلى تفاقم المركز الخارجي، وفرض ضغوط على سعر الصرف، وزيادة نضوب الاحتياطيات المنخفضة بالفعل.
وفي الوقت نفسه، فإن تحديد أولويات الإنفاق الضروري من المتوقع أن يؤثر سلباً بصفة مؤقتة في رصيد المالية العامة. وبدءاً من عام 2027 فصاعداً، من المتوقع أن يبدأ الاقتصاد في اكتساب زخم مع تراجع التضخم، وتعافي مستويات الدخل الحقيقي، وتخفيف ضبط أوضاع المالية العامة، وتوسع تحويلات العاملين في الخارج والصادرات غير النفطية في ظل "الخطة الزراعية" التي وضعتها السلطات. وبمرور الوقت، تُتَوَقَّع مساهمة ارتفاع الإيرادات الحكومية في دعم الخدمات العامة والواردات الضرورية، وهو ما يخفف وطأة الأزمة الإنسانية الجارية.
وحذر صندوق النقد من تأثير إطالة الحرب في المنطقة باليمن، التي قال إنها ستشكل مخاطر كبيرة – ولا سيما من خلال ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة واضطراب الإمدادات، وانخفاض تحويلات العاملين في الخارج – وهو ما من شأنه أن يزيد من حدة انخفاض قيمة العملة والتضخم، ويدفع إلى ضغط الواردات، وتفاقم حالة الأمن الغذائي والأوضاع الإنسانية، نظراً لمحدودية الهوامش الوقائية المالية والخارجية لليمن.
ويعيش اليمن على وقع تغيرات واسعة على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية كافة، والشراكات في منظومة السلطات المتعددّة والحكومة المعترف بها دولياً التي أُعيد تشكيلها برئيس وزراء جديد ومن دون المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل والشريك السابق مناصفة في الحكومة. ورحب الصندوق باعتماد خطة شاملة لإصلاح المالية العامة في اليمن اتساقاً مع المشورة التي أسداها خبراء الصندوق، وأكد الحاجة إلى تعزيز تعبئة الإيرادات المحلية، وتقوية الإدارة الضريبية والجمركية، وتحسين حوكمة المالية العامة والإدارة المالية العامة. فيما حث المديرون التنفيذيون للصندوق السلطات في اليمن المحافظة على موقف نقدي حذر، والحد من التمويل النقدي، ومواصلة تعزيز استقلالية البنك المركزي. وأكدوا أهمية نظام سعر الصرف القائم على السوق في تعزيز مصداقية السياسة النقدية وتحسين عملية تخصيص النقد الأجنبي. وتشمل الأولويات الرئيسية تعزيز إطار مزادات النقد الأجنبي ومعالجة الاختلالات الناشئة في سعر الصرف. وشددوا على أهمية تقوية المؤسسات لمعالجة مواطن التعرض لمخاطر الفساد وضمان مقبولية الإصلاحات، وكذا الحاجة إلى تنفيذ إصلاحات في قطاع الطاقة وتعزيز الخدمات العامة الأساسية وتنمية البنية التحتية.