ضرائب ريفز "الخفية" لا تسعد البريطانيين لكن تطمئن أسواق المال

27 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:54 (توقيت القدس)
وزيرة الخزانة راتشيل ريفز، في جولة بأحد فروع متاجر تيسكو، لندن، 19 نوفمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أعلنت وزيرة الخزانة البريطانية، راتشيل ريفز، عن موازنة جديدة بدون أعباء ضريبية جديدة على البنوك، مما لاقى ارتياحًا في الأسواق المالية، وأعلن جي بي مورغان عن مشروع بناء مقر جديد في لندن.
- لجأت ريفز إلى "الضريبة الخفية" عبر تجميد حدود المعدلات الضريبية حتى 2031، مما سيؤدي إلى دفع معظم الناس ضرائب أعلى، ويقدر معهد الدراسات المالية أن هذا التجميد سيضيف أكثر من 8 مليارات إسترليني للموازنة.
- تواجه ريفز تحديات في تحقيق التوازن بين زيادة الإيرادات والحفاظ على ثقة الأسواق، وتدعم الميزانية خفض فقر الأطفال وتقليل فواتير الطاقة، لكنها تبقى مرحلة وسطى لا تحل معضلات الاقتصاد البريطاني.

يطغى حديث الموازنة البريطانية التي أعلنتها الحكومة أمس الأربعاء على كل ما سواه في بريطانيا، فالمواطن الفرد والعائلات مشغولون بدراسة كيف ستنعكس التغييرات التي أدخلتها وزيرة الخزانة راتشيل ريفز على بنود الإنفاق والتوفير في دخولها.

ورغم التسريبات والتكهنات التي استمرت لأسابيع قبل موعد الإعلان، يمكن القول إن الموازنة تضمنت "تشكيلة" واسعة يمكن لكل طرف أن يراها في صالحه. وردت الأسواق المالية بارتياح بعدما خلت الموازنة من أي أعباء ضريبية جديدة على البنوك والاستثمارات، وفضلت أن يتمثل العبء في "ضرائب خفية" على المواطنين.

ولعل إعلان رئيس جي بي مورغان، أكبر مجموعة بنكية أميركية، عن ارتياحه لتوجه الحكومة والكشف عن مشروع بناء مقر جديد للبنك في لندن يوم الخميس، هو الأكبر في أوروبا، جاء بمثابة "تصويت من كبار الفاعلين على خطة ريفز".

ورغم ذلك، يرى المحافظون أن ريفز خضعت لضغوط الجناح اليساري في حزب العمال عندما ألغت القيود التي كانت تحدد إعانة الأطفال بطفلين فقط للأسرة، وفرضت ضريبة إضافية على المنازل التي يزيد سعرها عن مليوني جنيه إسترليني. فهل انحازت الموازنة فعلاً إلى الفقراء ومتوسطي الدخل؟ من الصعب الإجابة بنعم أو لا، لكن يبدو أن وزيرة الخزانة طبقت فعلياً ما أعلنته سابقاً عن "مشاركة الجميع كل بحسب قدرته" بضرائب تعزز موقعها المالي في مواجهة الأسواق المالية عند الحاجة إلى الاقتراض ورفع هامش الأمان المالي للحكومة من 9 مليارات جنيه إلى 22 ملياراً.

يمكن القول أيضاً إن ريفز لجأت إلى سلاح "الضريبة الخفية" عندما قررت مد تجميد حدود المعدلات الضريبية والإعفاء  لثلاث سنوات أخرى، أي حتى نهاية فترة حكم العمال الحالية في 2030/2031، في حين جرت العادة أن يتزايد الإعفاء وسقف الضرائب مع ارتفاع التضخم. ولكي نفهم كيف يحدث ذلك علينا معرفة مستويات ضرائب الدخل في بريطانيا. فالدخول الفردية حتى مستوى 12,750 جنيهاً معفاة من الضرائب، والدخول ما بين 12,750 – 50,270 تخضع لضرائب نسبتها 20%، أما ما يزيد عن ذلك وحتى 125,140 فيخضع لضرائب نسبتها 40%، وما يزيد عن هذه الفئة يخضع لضرائب بنسبة 45% مع فقد قيمة الإعفاء بعدما يزيد الدخل عن مئة ألف جنيه في العام.

من خلال تجميد الحدود الضريبية لثلاث سنوات إضافية حتى 2031، ستجعل معظم الناس يدفعون ضرائب أعلى، بما في ذلك تقريباً واحد من كل أربعة أشخاص في شريحة الضرائب الأعلى. ويقدر معهد الدراسات المالية أنه طبعاً لهذا التجميد سيفقد أكثر من 700 ألف شخص الإعفاء الضريبي، بينما سينضم أكثر من مليون شخص إلى فئة ضريبية أعلى. ومعظم العاملين يتلقون زيادة سنوية بفعل التضخم، تحركهم من فئة ضريبية إلى أخرى، حتى المتقاعدون الذين كانت معظم دخولهم ضمن فئة الإعفاء، سيُجبر كثير منهم على دفع ضرائب بمجرد زيادة دخولهم عن مستوى الإعفاء.

وكانت حكومة المحافظين هي من بادر إلى ذلك الإجراء في عام 2021 وبوصفه إجراء مؤقتاً ضمن تداعيات الضغوط المالية لجائحة كوفيد. وفي أثناء وجودها في حكومة الظل المعارضة، وصفت ريفز سلوك حكومة المحافظين بأنه "سرقة لجيوب المواطنين"، لكنها عادت لتطبقه وتمدد العمل به، وهو سيعود على الموازنة بأكثر من 8 مليارات إسترليني إضافية. 

وتنفي ريفز تخليها عن التعهدات التي قطعها الحزب على نفسه بزيادة الضرائب، لكن الخبراء الماليين يتفقون وعلى نطاق واسع بأن تجميد الإعفاء الضريبي هو دخل ضريبي إضافي كما ترى هيلين ميلر، رئيسة معهد الدراسات المالية.

يجادل كثيرون بأن ريفز لم تكن مضطرة إلى تجميد ضريبة الدخل ثلاث سنوات أخرى لكي توسع من هامش تحركها المالي وتكسب ثقة الأسواق المالية والمستثمرين. ولا شك أن ثقة الأسواق المالية، التي أسقط غيابها ليز تراس في عام 2022 تحتاج إلى قاعدة سياسية قوية. ويساند الجناح اليساري في حزب العمال هذه الميزانية لأنها تنفق على خفض فقر الأطفال، وتقليل فواتير الطاقة وتجميد أسعار السكك الحديدية والوصفات الطبية، وهو أمر مهم لأسواق المال التي تحتاج إلى معرفة أن الحكومة تمتلك الأصوات لتمرير ميزانيتها، بغض النظر عن رأيها في السياسات.

اقتصاد دولي
التحديثات الحية

لكن محللين في الأسواق يرون أن خيارات ريفز كانت محدودة، ولذلك كانت مهمتها أشبه بالسير على حبل مشدود، إذ كان عليها زيادة الإيرادات من دون زيادة الضغوط التضخمية، وكل ذلك مع إبقاء مستثمري السندات المتوترين على وفاق. وتتطلع الأنظار الآن إلى القرار المنتظر وشبه المؤكد لبنك إنكلترا (البنك المركزي) بخفض سعر الفائدة بربع نقطة مئوية أخرى في اجتماعه قبل نهاية العام.

في الصورة الإجمالية تبدو الموازنة البريطانية مرحلة وسطى، ربما لن تحل معضلات الاقتصاد البريطاني في الشهور المقبلة، وفي ظل التوقعات المتشائمة للنمو الاقتصادي وتراجع الإنتاجية، لكنها تمنح الحكومة مستوى من الاستقرار في أثناء بحثها عن خيارات أكثر استدامة في انتظار تحسن الصورة الاقتصادية داخلياً وعالمياً.

المساهمون