عودة الفخار إلى حلب... إرث يتجدّد في وجه الحرب والغلاء
استمع إلى الملخص
- يواجه الحرفيون تحديات مثل نقص المواد وارتفاع التكاليف، لكن هناك وعي متزايد بقيمة المنتج اليدوي بين الشباب المهتمين بالتراث.
- الأواني الفخارية توفر تجربة طهي فريدة وتدوم طويلاً، مما يعكس تواصلاً مع التراث واختياراً لحياة صحية وبسيطة.
تشهد مدينة حلب شمالي سورية عودة تدريجية لصناعة الفخار، إحدى أقدم الحِرَف التقليدية التي عُرفت بها المدينة، وذلك بعد سنوات من التوقّف والانقطاع. وتُشكّل هذه العودة صحوة ثقافية بعد الحرب، تتجلّى في الاهتمام المتزايد بإحياء الحرف اليدوية القديمة، جزءاً من التمسّك بالهوية الوطنية والذاكرة الجماعية.
ولأنّ الفخار حرفة تراثية بامتياز، فقد عاد اليوم ليحمل رمزية المقاومة الثقافية في وجه التهجير والدمار. وفي ظل ارتفاع الأسعار ونقص المواد الصناعية، باتت الأواني الفخارية تمثل بديلاً صحياً واقتصادياً وصديقاً للبيئة، إذ تحتفظ بحرارة الطعام، وتُبرّد الماء بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى الكهرباء أو تقنيات معقدة.
في هذا السياق، يقول صبحي الأقرع، أحد الحرفيين المخضرمين في مدينة حلب في حديث خاص مع "العربي الجديد"، إنه ورث هذه المهنة عن والده، الذي ورثها بدوره عن جده. ويرى أنّ الفخار ليس مجرد طين يُشكّل بأشكال متنوّعة، بل هو "ذاكرة الناس، وهوية المكان، وتاريخ يُروى بين الأصابع والنار". ويضيف: "كل قطعة تحمل في طياتها حكاية، وكل نقشة تروي فصلاً من تراثنا العريق".
ويتابع متأملاً إحدى القطع التي صنعها حديثاً: "عدت إلى مهنتي بعدما هجرتها سبع سنوات بسبب الحرب وظروف النزوح. حين أمسكت بالتراب مجدداً، شعرت وكأنني أستعيد جزءاً من ذاتي، من روحي التي ظننت أنني فقدتها. لم تكن العودة سهلة، لكن الحاجة إلى إعادة بناء حياتي وإعالة أسرتي دفعتني للتشبث بما أعرفه جيداً".
وعن سبب اختياره العودة في هذا التوقيت تحديداً، يوضح أنه شعر بأنّ الوقت قد حان لإحياء هذا الإرث قبل أن يندثر، مشيراً إلى أنّ كثيراً من الحرفيين هجروه وورشاً كثيرة أغلقت، لكنه يشعر، كما غيره من الحرفيين، بمسؤولية الحفاظ على هذه الصناعة كي لا تنطفئ. ويشير الأقرع إلى أبرز التحديات التي تواجهه، ومنها نقص المواد الأولية وارتفاع أسعارها، إضافة إلى صعوبة تأمين الأدوات التقليدية التي كانت تُستخدم سابقاً، فضلاً عن ارتفاع تكاليف أفران الحرق وتعقيدات صيانتها، إلى جانب غياب الدعم الرسمي، وندرة الأسواق المنظمة التي تتيح بيع المنتجات بشكل منتظم.
ورغم كل هذه الصعوبات، يتحدث الأقرع بنبرة متفائلة: "الإقبال في حلب موجود، لكنه محدود. الناس يحبّون الفخار، لكن القدرة الشرائية ضعفت للغاية. كثيرون يأتون ويُعجبون بالقطع، يلمسونها ويتأملون تفاصيلها، لكن القليل منهم يستطيع الشراء. ومع ذلك، هناك وعي متزايد بقيمة المنتج اليدوي، خاصة بين فئة الشباب المهتمين بالتراث والهوية".
من جانبه، يشير الحرفي يوسف الطحّان، وهو صانع فخار من ريف حلب في حديث مع "العربي الجديد"، إلى تفاصيل صناعة الأواني الفخارية، بدءاً من اختيار الطين الطبيعي المناسب الموجود على ضفاف الأنهار أو في التربة الغنية بالمعادن. بعد جمعه، يُترك ليجف، ثم يُطحن ويُخلط بالماء حتى يصبح طرياً وسهل التشكيل. ويُتابع وهو يُمسك بدولاب الخزف اليدوي: "بعد تحضير الطين، نضعه على الدولاب ونبدأ بتشكيل القطعة باستخدام اليدين فقط. هنا يكمن السرّ. اللمسة الصحيحة، والضغط المناسب، والتوازن في الدوران، كلها عوامل تحدد جودة القطعة. لا مكان للخطأ، لأنّ أي انحراف بسيط قد يجعل القطعة غير صالحة".
ويُوضح مراحل ما بعد التشكيل: "نترك القطعة لتجف في الظل لبضعة أيام، ثم ندخلها إلى الفرن الحراري التقليدي الذي تصل حرارته إلى أكثر من 900 درجة مئوية. هذه المرحلة هي الأصعب، لأن أي خطأ في الحرارة أو التوقيت قد يُفسد العمل كله. بعد الحرق، نقوم أحياناً بتلوين القطعة أو تلميعها إذا كانت للزينة، وأحياناً نتركها بلونها الطبيعي إذا كانت مخصصة للاستخدام المنزلي". وعن شعوره أثناء العمل، يقول الطحّان: "كل إناء أصنعه أشعر وكأنه يحمل جزءاً مني. هذه المهنة ليست مجرد حرفة، بل علاقة بين الإنسان والطين والنار. ورغم التعب والمشقة، لا أستطيع أن أتخيل نفسي بعيداً عنها".
ورغم تطور تقنيات الطهي وتنوع الأدوات المنزلية، لا تزال بعض الأواني الفخارية تحتفظ بمكانة خاصة في قلوب السوريين. فالفخار، بما يحمله من طابع تراثي وروح أصيلة، لم يعد مجرد إرث يُعرض في البيوت، بل عاد ليكون جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. وتتحدّث ليلى ناصر، وهي معلمة من حي الشعار في حلب عن علاقتها بهذه الأواني، قائلة: "حين أضع الماء في الجرة الفخارية، أشعر بأنه أطيب مذاقاً. هناك شيء لا يوصف في رائحة الطين، في برودة الماء، وفي الشعور الذي تمنحه الجرة، وكأنها تحتفظ بداخلك بذاكرة الطفولة وهدوء الزمن القديم". وتتابع: "ليست المسألة مجرد وعاء، بل طقس يومي يعيدني إلى الجذور، الفخار لا يُبرّد الماء فقط، بل ينعشه، ويمنحه طعمًا لا تملكه القوارير الحديثة".
وقد اقتنت ليلى قدوراً فخارية لطهي الطعام، لتكتشف أن النكهة أصبحت أغنى، والطعم أكثر أصالة، كما تقول، لافتة إلى أنّ الحرارة تبقى موزّعة بشكل متساوٍ داخل القدر، ما يجعل الطعام ينضج بهدوء ومن دون احتراق. وتوضح: "الفخار ليس قطعة تقليدية نضعها على الرفوف للزينة فقط، بل فيه دفء اليد التي صنعته، وصدى الأزمنة التي مرّ بها".
وترى يلى أنّ اقتناءه اليوم ليس فقط تواصلاً مع التراث، "بل أيضاً اختيار ذكي لحياة أكثر صحّة وبساطة". والأواني الفخارية أصبحت بديلاً اقتصادياً جيداً، فأسعارها مقبولة مقارنة بالأدوات الحديثة، كما أنها تدوم طويلاً إذا استُخدمت بعناية. وهي لا تحتوي على مواد كيميائية أو معادن ضارة، مما يجعلها أكثر أماناً، لا سيما في الطهي.